عرض كامل الموضوع : قصة حب مجوسية ..لعبدالرحمن منيف.
.عذوب.
08-20-2006, 11:24 PM
http://www.adabwafan.com/**************/products/1/27212.jpg
العتبــــة
لا أطلب منكم الرحمة، ولا أريد عطفكم. إذا كنتم محسنين فامنحوا صدقاتكم للمتسولين. أنا لست متسولاً ولا مسكيناً، كما لا أعتبر لصاً أو قاطع طريق. ومع ذلك فان لي مشكلة. ومشكلتي ، دون كلمات كبيرة، إن الألم يعتصر قلبي ، ليس هذا جديدا بالنسبة للحياة التي أعيشها ، لكن الأمر ، في لحظات معينة، يبلغ حداً لا أستطيع احتماله ومادام الأمر هكذا ، فأن الكلمات ـ في بعض الأحيان، وسيلة لإنقاذي. لست متأكداَ. أتصور ذلك ، ويحتمل أن يكون الحديث ، خاصة معكم، ألماً جديداً ، أتلقاه من عيونكم الميتة الساخرة ، لا يهم ، قولوا أي شيء ، ومع ذلك يجب أن أتكلم.
تقولون أحلام؟ مراهقة؟ حرمان؟ يمكن أن تقولوا أي شيء . ما أحسه ، حباً حقيقياً. اذا تذكّرت أرتعش ، أحزن ، تدوي في رأسي أفكار لا حصر لها. وبعض الأحيان تجتاحني رغبة للبكاء.
ذات مرة ، أخذت أروي القصة لصديق. قبل أن أنتهي
ابتسم. ابتسامة بين الإشفاق والسخرية. ولما قلت له بتأكيد
أخرق((أني أحبها)) أجابني بهدوء لزج مدمر ، وهو يطبطب على يدي:
- احرص على أن لا تتحدث عن ذلك ، مرة أخرى خاصة مع غيري.
صرخت وقد تملكني الغضب:
- ولكني أحبها0
وظلّت نظراته الباردة تخترقني . شعرت بنفسي عارياً ذليلاً.
دهشت أول الأمر، فقد كنت أتصوره الإنسان الذي أبحث عنه لأبوح له بهذا العذاب، لكن ما كدت أرى هدوءه، ثم ابتسامته الساخرة، حتى بالانسحاق . صمت . عندما رآني طعيناً مهزوماً استدرك . أخذ يحاول الابتسام بطريقة مختلفة، لكن كل شيء قد انتهى.
وبطريقة حكيمة وباردة انزلقت من فمه كلمات جديدة:
- تمر على الإنسان حوادث كثيرة، والعاقل من يتخلص من الأوهام بسرعة!
صرخت وقد عاودني الغضب مرة أخرى:
- ولكن ما أحس به ليس وهماً. انه الحقيقة، أنه أكثر واقعية من وجودنا ، نحن الاثنين.
وفجأة شعرت بنفسي أمتلئ تحدياً وأنا أضيف:
- تأكد أني سأراها0
وأصاب لهاثي عطب مفاجئ . خرج صوتي مسكيناً وأنا أقول:
- وقد نعيش الأيام الأخيرة من العمر معاً!
تنفست بصعوبة لما قلت هذه الكلمات ، تطلعت إليه لأرى وقعها. اعترك وجهه وكأنه رأى في عينيّ بريقاً ملوناً من الخوف والشك ورغبة الانتحاب.
قال وابتسامة السخرية والشفقة تترافقان:
- إذا كنت تفكر بهذا فأنت لست حالماً فقط، بل وتحب أن تعيش في الأوهام!
وبدأ يتكلم في موضوع آخر لكي لا أعاود ذكرها من جديد.
***
هل يمكن اعتبار ما حدث قصة ؟ هل يمكن اعتباره قدراً ساخراً؟ لا أريد الضياع في غياهب الكلمات العمياء، فالمشاعر التي تسطير عليّ حين أتذكرها تجعلني أقرب إلى المجنون والأوقات التي يمر فيها طيفها كثيرة لدرجة لا أستطيع أن أفكر بغيرها.
ومثلما قلت لكم، لا أطلب الرحمة ، فأنا أحتقر هذه العاطفة الذليلة. ولا أريد أن آخذ رأيكم ، فهذا الرأي ، إذا انزلق من شفاهكم الرخوة ، لن يكون ، في أحسن الأحوال، أكثر رأفة بقلبي من رأي صديقي.
ومادام الأمر هكذا ، وما دام ظني بكم سيئاً لدرجة كبيرة ، قد تسألون : لماذا إذن أقص عليكم هذا الذي حصل؟ وما أريد منكم؟
لكي أقطع عليكم الطريق، وأسد أفواهكم أقول:
إن الكنيسة الكاثوليكية ، الرحيمة القلب، جعلت للإنسان طريقاً للخلاص ، عندما كلفت الآباء المقدسين بتلقي الاعتراف.
كما أن علم النفس المعاصر ، بالضوء الخافت في غرفة الطبيب ، والمقعد الوثير الذي يستلقي عليه المريض، أوجد طريقاً لإذابة العذاب ، تمهيدا للشفاء ، وأنتم ، هل أنتم آباء الكنيسة أو أطباء نفسيون تتلقون الاعتراف؟
مرة أخرى لا يهمني . أريد أن أقول ما حصل . سأقول ما حصل حتى ولو.... وانتم، إذا شئتم أقرئوا، وإذا شئتم كفوا عن القراءة ، حتى لو قرأتم فلن تضيفوا أية صفة جديدة للصفات الكثيرة التي أعرفها عن نفسي!
.عذوب.
08-20-2006, 11:36 PM
الجبـــــل
حدث ذلك في الصيف.. أواخر الصيف 0بعد ريح هوجاء تلبدت السماء بسرعة ، وهطلت أمطار غزيرة . كنت في ذلك الوقت على ضفاف البحيرة. كنت أفكّر، بغموض ، بذلك الهم الصغير الذي بدأ يغزو قلبي.
بعد الزخات الأولى شعرت بالنشوة، لكن لما رأيت المطر يشتد ركضت لأصل الى شرفة الفندق. تبلّلت وأنا أركض ، وما كدت أقف تحت الشرفة ، وأخرج منديلاً لا أمسح رقبتي ورأسي ، حتى شعرت بلذة المطر من جديد. كانت برودته الناعمة اللذيذة تنزلق من رأسي مباشرة لتدغدغ كل خلية في جسدي، ثم تستقر في العظام . تركت قطرات المطر والبرودة تتسرب . كنت بحاجة إلى ذلك. لكن في لحظة ما (كانت لحظة غامضة وغريبة) أحسست أن عيوناً من وراء الزجاج تراني ، وان منظري يثير السخرية . التفت لأرى ، لأعتذر (ويخيل إلي أن صورتها كانت تطفو في ذاكرتي) وإذا بعيوننا تلتقي.
المرة الثانية تلتقي عيوننا خلال نفس اليوم.كانت المرة الأولى قبل الظهر . كان الجو حاراً ثقيلاً . نزلاء
الفندق على شاطئ البحيرة . نساء أقرب إلى العري ، رجال بكروش صغيرة مرتاحة وظهور محروقة ، أما الأطفال فكانوا يبنون بيوتاً ثم يهدمونها ، دون تعب
كنت في ذلك الوقت أمتلئ ضجراً. الكتاب بين يدي أصبح عدواً بعد أن تحولت حروفه إلى غيوم سوداء بلا معنى 0لم أستطع القراءة، ولم أستطع أن أفعل شيئاً، خاصة بعد أن شعرت ببرودة مياه البحيرة ، والتي لم أقو على احتمالها أكثر من بضع دقائق . كان الناس حولي عوالم منغلقة، أو هكذا كانت الصورة ، وأنا أمر على الأجساد والوجوه.
في لحظة ، لا أعرف أية لحظة، التفت عيوننا . كانت قريبة ومضطجعة على بطنها أول الأمر. كانت تعبث بعصا صغيرة على الرمل ، لكن ما كادت نظراتي تزحف على ظهرها ، حتى ارتعشت ، انقلبت بسرعة ونظرت نحوي مباشرة ، وفي تلك اللحظة التقت نظراتنا0
يجب أن تصدقوا أن في الإنسان شيئاً غامضا وحيراً ، إذ ما أقوله لكم ، انه الحقيقة. الحقيقة المطلقة والوحيدة0
عينان ترتجان بالحزن . شفاه رقيقة والسفلى مرتخية بإثارة موجعة ، أما الوجه فقد لوّحته الشمس ، فبدا غامضاً ومجبولاً باللذة والفجيعة وملعوناً. عند الوجه توقفت . لم أر جسدها العاري. ولا أدري لماذا سولت عليّ مشاعر قاسية أقنعتني أني لا أملك حق النظر إلى جسدها. وفي لحظة أخرى أستبد بي شعور أقوى بأن نظرتي لو امتدت إلى ذلك الجسد يمكن أن تلوثه . أتذكر أنها كانت تلبس مايوهاً أصفر ، ولا أتذكر شيئاً أكثر من ذلك.
دامت النظرة دهراً . كانت نظرتها حنونة وعابثة. أو نظرة طفلة شقية ونظرة. رأيت في عينيها عالماً من الخصب والرعونة، عالماً لا نهاية له. فرحت. كدت أقفز من الفرح. لم أعد أرى غيرها . وددت أن أصرخ. أن أرقص . أية أفكار أخرى عبرت رأسي ؟ ثقوا ، حتى هذا الوقت المتأخر ، لا أعرف! شعرت بالجنون. شعرت برغبة الحياة تتدفق في جسدي . تأكدت في تلك اللحظة أن الضجر أكذوبة أختلقها الوجوديون والناس المترفون. قلت في نفسي : ((لا يمكن أن أتنازل عن هذا الفرح)) كان الفرح يزلزلني . يتفجر في داخلي كطوفان. هل طالت النظرة ؟ هل رآها غيرنا؟ ثقوا أني لا أعرف.
عندما وقف نظر حواليه . كانت نظرته عجولة ولا تحمل تساؤلا من أي نوع . نفض عن بطنه حبات الرمل بسأم، وسحب كرسياً صغيراً من القماش كان يرتكي عليه ، ولما طال وقوفه قال لها بطريقة ميتة:
- ألا تفكرين بالنهوض؟
أمالت برأسها موافقة ، ثم هزته بتسليم ، ووقفت . لم يتكلما . سارا ببطء ، لكن في لحظة (لا أدري لم حصل ذلك)
التفتت . كانت تنظر إليّ تماما. أغرقتني نظرتها . شعرت بقلبي ينقبض لما رأيتها تسير مبتعدة.
لما اختفيا في الزحام تلفت حولي ، ومن جديد رأيت الناس . كان الناس مثل علب معدنية محكمة الإغلاق: عيون مغمضة . ذقون مرتخية وملامسة للصدور ، ثم شفاه متهدلة، وصمت.
لما أصبحا بعيدين ، مثل أشباح ، وهما يتسلقان السفح باتجاه الفندق ، أحسست بالوحدة والألم.
في صالة الطعام جلست قريباً (الصدفة العمياء هي التي دفعتني إلى تلك الزاوية) ظننت ان لزوجها عيوناً من الخلف تتابعني في هذه الرحلة الخطرة.تملكني الخوف والاضطراب. كانت تجلس مقابلي تماماً، أما هو فقد جلس بمواجهتها ، وظهره نحوي ، وجلس الولدان الصغيران في ناحيتين متقابلتين.
وطوال فترة الغداء لم أجرؤ على أن أنظر إليها.
وهاهي النظرة الثانية ، وأنا أقف تحت الشرفة ، مبلولاً مثل كلب . مجنوناً بنظرة البحيرة التي خضت دمائي ، وجعلتني أفكر كثيرا ، ولم افطن للمطر!
تجرأت ، وأنا أقف في الشرفة ، أن أنظر إليها . كانت شجرة من أشجار الصالون تشكل حاجزا بيني وبين زوجها . أما تجاهها فكان المدى رحباً منتعشاً ، مما ساعدني على أن أنهش من هذه اللذة دون توقف (الطبيعة كنز يفجر في الإنسان قوى غير منظورة)
كنت أريد أن أكتشفها ، وتراءت لي أفكار كثيرة لا أجرؤ على أن أقولها.
.عذوب.
08-20-2006, 11:44 PM
قلت لكم إن في الإنسان شيئا ً غامضاً، لا سبيل إلى فهمه. وهذا ما حصل بالضبط.
بشكل ما تأكدت إن لها عالماً خاصا ً . وان عالمها ليس بعيداً عن عالم زوجها فحسب ، بل ومختلف عنه تماما ً. كان يبدو مرتاح الوجه، ومليئاً بالصحة والرضا. كانت تبدو قلقة، متعبة، وفيها مقدار من الحزن يجعلك تقتنع به وتحبه. كانت ملامحها رقيقة ، ناعمة ، وجسدها أقرب إلى الصغر. لم تكن قصيرة، لكن هناك نوعا من النساء تشعر بأنوثته تفيض إلى الخارج بقوة ، من جسد أقرب إلى النحول والشفافية.
عبر الزجاج، المعتم قليلاً، تكلمت عيناها. تكلمت بنداء صغير أقرب إلى همسة نائحة . وفجأة استولى عليّ الرعب . كانت الكلمات والأفكار تتقاطع في رأسي مثل البرق : من أنت؟ أية رحلة خطرة تدفعنا إليها الرياح ؟ البياض الساكن في عينيك يفتش عن مرفأ : وأنا المتعب الملقى في هذا الركن البعيد عن العالم وهل أكون هذا المرفأ؟ أريد يداً صغيرة ودافئة تسندني . أحس شيئاً في داخلي يتدمر بسرعة ويفني.
صرخت دون صوت وأنا أنتفض مثل ديك مبلول : الزجاج بيننا يحصد خفقة القلب ثم يعجنها كتلة نار ويدحرجها ، ثم يأتي المطر ليذيب لذة الحلم.
هززتُ رأسي قليلاً ، تساقطت قطرات عجولة من المطر . شعرت بلذة . امتلأ قلبي بالحزن . قلت لها بعيني : اغفري لي . اتركيني . أنت مقدسة لدرجة لا يمكن أن اقترب منك . هزت يد ولد مشاكس الشجرة . اضطربت لما رأيت وجه زوجها . التفت للحظة صغيرة . قلت في نفسي: لو رآني أتطلع إليها هكذا لاقتلع عيني . لوضع فأراً في ظهري ، تحت الثياب ، ودفعني بقوة لأسير ، لأركض ، في أودية الخنازير . قلت للنبتة الخضراء التي عادت لتستقر : أيتها الشجرة المباركة في كل الأوقات ، ارتفعي سدا بيني وبين الذين يريدون قتلي . كانت النبتة الخضراء تنفرد مثل مراوح صغير بمساحة راحة اليد . وفي لحظات تبدو عملاقة كجبال عالية ،وفي لحظات أخرى سوداء قائمة كغابة السنديان ، لكن في كل اللحظات ، ومن الفجوات الضيقة كانت تشع قطرات مضيئة، كانت عيناها تشعان.
لم يعد ما ينزل من الغيوم الثقيلة المطر . كان الفرح الملون . شعرت بالأصوات المتداخلة حولي وكأنها الأناشيد تأتي من مكان بعيد . وفي لحظات أخرى شعرت بالكون وكأنه يد أم.
وظللت أترك عينيّ تسافران .. لكن ما تكاد تعودان لتستقرا في عينيها حتى أحس أني أولد من جديد . كانت نظراتها عالماً طفلاً يركض برعونة نحو الفرح والحزن معاً.
قلت لنفسي بتحد أخرق : سأقتل الكراهية والحقد . سأقتل الخيبة والكبت .
أمّا التأملات البلهاء التي تسرقني من كل ما حولي فسوف أدفنها في اقرب مزبلة . وفي لحظة أخرى قلت بتصميم :
أنا أحترق الآن ، احترق بلهفة شيء لم أكن أحس بمثله من قبل . ومرت تساؤلات عربيدة في رأسي: أين كنت أعيش؟ كيف يمكن للإنسان أن يعيش دون أن يحس؟ هل يمكن لا امرأة أن تولد في القلب هذا المقدار كله من الفرح والأغنيات المجوسية؟
كانت الدماء والأفكار تنفجر في رأسي بسرعة مذهلة ، ولم أعد قادراً على الوقوف تجاه أية كلمة أو أية فكرة . قلت لنفسي بتسليم : كنت فيما مضى أقرأ ما يقولونه عن هذا الشيء الذي يسمونه اللهفة ، فأضحك . كنت أتساءل هل يمكن للإنسان أن يتحول إلى بندول لا يتوقف ولا يهدأ؟ أن يتحرك دون معنى ؟ أن يتلهف لامرأة؟ أن ينتظرها؟ أجبت نفسي :
إنني أقع الآن في ذلك الشيء الغامض.
آه ، يمكن أن تضحكوا . اضحكوا مثل بغال تفتح أفواهها حتى النهاية . لقد سقطت!
شعرت بقلبي يتموج في صدري مثل زورق . قلت : بداية الحماقة. سحبت عينيّ من جديد وأطلقتهما في الغيوم والأشجار البعيدة ، لكن وجدت نفسي أضطرب ،ثم بعد لحظة سمعت شيئاً في داخلي يتمزّق وينوح.
تحركت قليلاً وقد شعرت بضرورة فعل شيء، لكن شعوراً آخر انتابني في نفس اللحظة : فجأة أصابتني برودة قاتلة. أحسست أني مدفون في أعماق كثبان جليدية ، واني مسمّر وراء الزجاج ولا أستطيع الحركة . وباستسلام أبله أردت أن أكذب. أن أخطئ. لكن عينيها وهما ترتميان عليّ كانتا تجرحانني. تجعلانني أكثر إحساسا بوقع خطاها وهي تسير في دمي. كنت أسحب عيني. أرميهما بعيداً، لكن دون أن ادري اكتشفت نفسي وقد بدأت أتسلل في الفجوات الصغيرة ، بين أوراق النبتة الخضراء ، أرتمي هناك . وأنظر، وأنظر ، وأنظر إلى عينيها . آه ، ما أشد رعب العيون التي أراها. ما أشد فتنتها . كانت تقول لي بهمس : أيّها الغــريـــب الذي لا مــأوى له ، مأواك في عينيّ . كانت تقول لي هاتين العينين سأجعل لك أرجوحة ، وفي هذه الأرجوحة تقضي ما تبقى لك من العمر، ولن تندم.
الآن..بعد السنين الطويلة أريد أن أبكي . لماذا لم أهرب؟ لماذا تصورت أني لم أرها ، وأني رأيتها آلاف المرات ؟ كنت أحلم بها طوال عمري . وكنت أراها مستحيلة . وفي لحظة مليئة بالعذوبة ، بدا لي كل شيء قريباً، ناعماً ، جارحاً ، وقررت البقاء0
في وقت ما أنقطع المطر . هل مضى وقت طويل ؟ قصير ؟ لا أدري . لما جرجرت نظراتي إلى البعيد كانت الجبال الخضراء ما تزال تعصر دموعها ، وتحولها إلى جداول صغيرة تنفلت بعناد صبياني نحو السفوح . وكانت الأوراق الخضراء بعد أن فردت نفسها مثل أجنحة طيور قوية ، قد تراخت وتهدّلت بعد المطر . والحصى ، كان الحصى يلمع كقطع الزجاج الملون . وأرتد الزجاج مازال بيننا شاهقاً قاسياً أبدياً. وعيناها حمامتان اغتسلتا بالأسى ، لكنهما تركضان وراء فرح ما.
.عذوب.
08-20-2006, 11:56 PM
قلت لنفسي بحقد ودون صوت:
يا حزن الأيام المشئومة، سوف أصرعك كذبابة، لن أحزن بعد اليوم. أمّا الحيوان الصغير ، والمعصوب العينين ، والذي يسمونه الجبن ، فسوف أقتله.
الحيوان الصغير يفرك في دمي ، داخل العروق . كنت أندم على كل فعل . كنت أندم على كل فعل لم أفعله . أتحول فجأة إلى طير . أطير بعيداً بعيداً. أطير وأرجع . والزجاج بمقدار ما كان يقيني من الجنون ، كان ينغل في صدري بجنون آخر . قلت في نفسي بسخرية: مرة واحدة نولد ، ومرة واحدة نموت . وأنا ، أولد الآن ، أولد في عينيها.
وتظل عيناها تضحكان. أحسّ الضحكات الصغيرة تفترش دمي ، توقده بالعذاب . تطفئة . ودون تعب أتساءل: ما هذا ؟ هل يمكن أن تكون اللهفة؟ وهل قرأت ذلك في كتاب؟
ولا أصدق شيئاً . تظل العينان تخترقني. وأصعد وأهبط ، ثم أنفجر وأتلاشى0
لما توقف المطر وأمتلئ الجو بتلك الرائحة التي لا تعبّر عنها أية كلمة في الكون ، انتفضت ، ثم وجدت نفسي أمشي دون إرادة. درت حول الفندق . توقفت عند شجرة الصنوبر الكبيرة كانت القطرات الأخيرة المتجمعة على أوراقها الابرية تنسكب بنعومة حادة . رفعت وجهي لأتلقى حبات المطر ، وكدت أبكي.
في وقت ما سمعت لغطاً ينمو حولي بسرعة . انتبهت فجأة ، وقرّرت بغموض شيئاً,
انزلقت إلى صالة الفندق الواسعة ، ودون تردّد اندفعت إلى الركن البعيد وجلست . كانت ثلاث أو أربع موائد بيننا ، اثنان يجلسان على المائدة المحاذية لها . كان أحدهما يحجب قسماً كبيراً من جسدها، أما رأسها ، أذا رفعته إلى أعلى قليلاً ، فكان يظهر كجبل الثلج : ساطعاً متورداً.
هل كانت تتابعني لما دخلت ؟ غيّرت جلستها وأصبحت بمواجهتي الآن ؟ اجتاحني دبيب أصم ، وبعد ذلك شعرت بالرغبة في أن ألمس شيئاً مّرت عليه يداها، وفي النهاية سيطرت عليّ حالة من التلاشي والحزن.
اختلطت أصوات موسيقى قديمة بالدخان ، بأقداح فارغة ومتروكة . لم أعد قادراً أن أفعل شيئاً ، أمّا كأس الكونياك الذي وضعه الجرسون أمامي ، فكان نتيجة بلاهة ورغبة آلية إن لا أظل هكذا.
كنت أتألم . لا ، أن شيئاً آخر يموج في صدري ، ربما رغبة البكاء . اضحكوا لا يهمني.
كان زوجها يجلس إلى جانبها، أمّا الصغيران فكانا يلعبان حولهما.. كان الزوج صامتاً ، ينظر حواليه بتثاقل وسأم . قلت في نفسي: لماذا يرتمي هكذا ؟ ألا يقول لها كلمة؟ ألا يتمطّى؟
وبحقد مجنون أضفت: أيها الرجل الذي لا يقوى على السعادة، اشتمها ، أمسك يدها ، تطلع في عينيها.. أما أن تبقى مصلوباً كالجثة ، فهذا لا يغفره أحد .
لا أعرف لماذا لم أحتمل . وجدت نفسي أغادر القاعة بعصبية . عند الباب الدوّار اصطدمت برجل . امتلأت خجلاً. تصورت البلاهة التي تنزف من وجهي أكثر من أن يحتملها أحد ، وتصورت عيونها خيوطاً حريرية تشّدني . هربت من نظراتها . لما رفعت وجهي لأعتذر ، كانت تضحك تلك الضحكة الصغيرة التي تشبه المغفرة.
اضحكوا . تقولون مراهقة؟ ربما.
كنت في الثلاثين . كنت في المائة . كنت كبيراً ، وكنت صغيراً ، وكانت لي علاقات.
منذ ثلاث سنين أنا وميرا لا نفترق . تخاصمنا كثيراً ، ولكن رضينا بعدد المرات التي تخاصمنا . غفرت لميرا الكثير ، لكنها غفرت لي أكثر . وميرا التي أحدثكم عنها شقراء ، طويلة ، لها عينان بلون الكستناء . أمّا جسمها فكان ساحراً لدرجة إن أي إنسان رأها تسير معي حسدني ، وربما شتمها في سره ، لكن ميرا لم تعبأ بشيء . كانت عالماً غريباً ، وكنت أحبها لغرابتها . كانت تحب الرياضة والشعر ، ولم تكن تتحدث الاّ عن ذلك . وقد لامتني مرات كثيرة لأّني أهمل نفسي هكذا ، وتنبأت أني سأموت قبل الأربعين ، ولما مرضت ذات مرة ، خشيت عليّ كثيراً وظلّت تبكي فوق رأسي ، حتى داخلني الشك ان موتي أصبح وشيكاً، لكن لما شفيت وتبين أن ما كنت أشكو منه مجرد عارض يصيب معظم الناس ، لم تسلم ، وظلت تلومني ، ولا تتوقف عن توجيه الكلمات القاسية ، مشيرة إلى الصفرة في عيني والى بروز عضلات الرقبة وأكّدت أني "مصاب بالغدد والطبيب لا يدرك ذلك" أمّا عندما قرّرت السفر إلى الجبل للراحة ، فلم أر في عينيها ضجراً أو احتجاجاً ، ولا أخطئ إذا قلت أنها فرحت لهذا القرار الذي "سيكون له تأثير مفيد على صحّتي ، خاصة إذا مارست الرياضة ، أية رياضة ، وكنت بعيداً عن جو المدينة الخانق ، الذي يسبّب السرطان بكل تأكيد"
لم تكتف ميرا بذلك ، حضّرت لي أنواعاً من الأغذية ((المفيدة والضرورية)). وفي طريقنا إلى محطة القطار أصّرت أن تشتري لي بطيخة خضراء كبيرة ، قالت : وهي تشير إليها : قلبي كبير هكذا ، وقد تعبت كثيراً بنقل هذه البطيخة من قطار لآخر ، ثم بنقلها إلى الباص ، لا تستغربوا إذا قلت لكم إن البطيخة اللعينة انزلقت من بين يدي وانفلقت عند باب الفندق تماماً وسبّبت لي إحراجا ، ورأيت ضحكاً مكتوماً في عيون الذين كانوا حولي .
كنت خارجاً لتوي من المرض . وفكرة السفر إلى الجبل عنت لي هكذا ، أمّا ميرا فقد أصّرت إن "النقاهة ضرورية ، أنهّا من العلاج" واستغربت كثيراً أن الطبيب لم يشر عليّ بذلك.
لم أكن أعرف ميرا وحدها . كنت في نفس الوقت على علاقة مع باولا . وباولا امرأة من نوع آخر : بسيطة ، صريحة ، تكره الموسيقى الحزينة وتكره الفلسفة (باولا تدرس الفلسفة).
تدخن بشراهة ، ويظهر ذلك بوضوح من أعقاب السجائر الملوثة بالروج في جميع أنحاء الغرفة والحمام . كانت باولا تهوى الشرب لدرجة السكر ثم البكاء ، وكنا دائماً نقضي وقتاً شديد الروعة والجمال والحزن.
وقبل ميرا وقبل باولا ، باولا ذات الصدر الكبير والأثداء الصلبة ، والتي لايمكن أن انسي رائحتها اللذيذة . قبل هاتين المرأتين، وبعدهما عرفت نساء. لكن في ذلك الصيف الملعون تحوّلت إلى إنسان آخر . ولو أن احد رآني أقف تحت الشرفة وأرقب ، من وراء الزجاج ، العالم السحري الذي تدفق عليّ فجأة ، لو أن أحداً رآني ، وقد تهدلت عضلاتي وتحولت إلى بندول ، لقال أن جنوناً من نوع ما يسيطر عليّ.
مراهق ؟ نعم . أتحداكم أن تقولوا أني لم أكن كذلك . وإذا أردتم أن تقولوا شيئاً آخر عن الحرمان فسوف تخطئون كثيراً. لم أكن أتنقل بين النساء كفراشة ، لكن لم أكن محروماً. كنت أمسك الفخذ ، بثقله الزاهي ، بين يدي وأعزه لتمتلئ روحي بنشوة الامتلاك والظفر , وكانت يداي تتسللان ، مثل أفعى ، إلى الصدر ، وهناك أترك اليدين تحومان فوق النهدين ، وراء الظهر ، أتركهما تهبطان إلى الأرداف وأصرخ في داخلي بصوت يشبه فحيح الحية :
أشبع ، يجب أن تشبع حتى التخمة.
ولكن إذا وجدت بينكم حكيم أعور ، له لحية تشبه خيوط العنكبوت ، فسوف يقول: أن حالة مثل هذه تعود بأصولها إلى أيام الطفولة ، أنه الحرمان ، الحرمان من عطف الأم . نعم ماتت أمي لما كنت صغيراً، ولكن هذا الحكيم الذي يفتح فمه كضفدعة ليغرق الناس بكلمات كبيرة وغامضة يفتقر إلى شيء أساسي يكون جوهر الإنسان والعلاقة الجنسية ، يفتقر إلى الحب. الحنان . أن أفقد أمي ولم يتجاوز عمري السادسة . أن أهيم في الدنيا لا أعرف لماذا والى متى، وأعيش على كل شيء ماض ، حتى لو كان مجرد زمن أعمى ، وفي حالات معينة مجرد أحلام.
يمكن لأي تحليل أن يسرف في دراسة حالتي ، بحيث ينتهي إلى أشياء كثيرة ، لكن الأمر الأكيد إن وجدت نفسي فيه لا يجد مأوى في الكلمات القاتمة والبلهاء التي تموج في رؤوسكم الآن
كنت وأنا أخرج من قاعة الفندق قد قرّرت أن أذهب لرادميلا "وأنت يا رادميلا لماذا كنت في تلك اللحظة تعطين شفتيك لأيفان؟ لماذا؟ قولي بحق السماء ، قولي كلمة لأستريح ".
لو أن شيئاً آخر حصل لكنت الآن بنظركم إنسانا سوياً ، لكن اسمعوا ما حدث :
في الليلة السابقة تخاصمنا ، دون كلمات ودون أن نستعمل الأيدي أو الأدوات الجارحة .
تخاصمت وايفان عدداً من المرات يوازي عدد الرقصات . كنا أربعة رجال وثلاث نساء ، نجلس في وسط قاعة الرقص ، وكان على واحد منا أن يتحمل ، أن يدفع ثمناً ما . لا أعرف لماذا اختارتني رادميلا مرات كثيرة لمراقصتها . قبل انتهاء الرقص اتفقنا . وعندما سمعنا فالس فينا كنا نلهث في الفراش . أمّا الصباح التالي فقد كنت حزيناً لدرجة منفرة . وعند الظهر كنت أفكّر بالناموس الطبيعي وأصل الحياة ، أمّا الكلمات التي أجبت بها رادميلا فأعترف انها كانت بائسة ومهينة ، وغادرتني رادميلا بعصبية بعد الغداء ، وقرّرت أن تنتقم منّي بسرعة .
كنت أعرف رادميلا منذ وقت طويل . وقد بانت الشهوة في عيني منذ أن التقينا في قاعة الفندق . هّزت رأسها كفرس وقالت:
"ابتعد من طريقي، ولا أريد متاعب من أي نوع " لكن الضحكة التي انفجرت وراء هذه الكلمات ، كانت مسعورة لدرجة لم أحتملها ، أمسكت يدها عند الزند ، وضغطت . تركتني أفعل ذلك لأتمتع ولأختبر اللحم المشبع الهني . ثم قرصت يدي بدلال وقالت : " مازال لدينا وقت طويل، هنا وفي المدينة".
لما تركتني رادميلا شعرت بالراحة..
وفي اليوم التالي ، لما ارتمت على الرمل الناعم ، على ضفاف البحيرة ، أصابتني حالة اللاجدوى والحزن . أمّا الرغبات التي كانت تنتابني وأنا أنظر إلى أعماق البحيرة فكانت غامضة ومتداخلة.
وفي تلك الحالة من اللاجدوى والغموض الشديد .التبدّد واجهت تلك النظرة ، وبدأت حياتي تتفتّت ثم تتدمّر ، وأصبحت ملعوناً.
لو ان رادميلا ، في ذلك الغروب ، بعد المطر ، أعطتني نفسها لأنقذتني . لكن رادميلا لم تنتظر . هربت بسرعة . وشفاه ايفان وهي تطبق على عنقها تحت شجرة الصنوبر ، قرب الباب الخلفي للمطعم ، جعلتني أركض نحو البحيرة .
كانت البحيرة بعد المطر معتكرة ـ وكانت السيول الصغيرة المتأخرة لا تزال تتدفق إليها بكسل . أمّا الزورق الذي أمسكته ، كتعزية رخيصة ، فقد انزلق بين يدي ، كأنه يهرب . وعندما جلست على أحد الحجارة ، قرب القنطرة ، ناحية الشمال ، شعرت من جديد بالحزن يغطيني كأنه الثياب الثقيلة،والتمعن في ذاكرتي عيناها .
كانت عيناها مثل فوهات الجحيم المتورد ، لا يمكن أن تنسى. قلت لنفسي بصوت لا أكاد اسمعه : " أيّها الرب الذي يرتكز على يد واحدة ، وينظر الى البشر التعساء ، لماذا تركت كل شيء يسير في الدرب الخطرة؟" وتصورت الرب... أخرى تصورته... وأردته أن ... لكنه لم..
وأنتم ، أية كلمات تندلق الآن من الذاكرة إلى الشفاه المرتخية ، وتريدون أن تقذفوها في وجهي؟
.عذوب.
08-21-2006, 05:39 PM
نحن نزلاء الفندق سجناء صالة الرقص والمطعم في أغلب الليالي . فإذا خرج القمر من مغارته المتربة ، وتدحرج ككرة خضراء في المدى الرحب الذي يسمونه السماء ، إذا حصل ذلك ، وكان الدفء ينتشر في ذرات الهواء وينعشها ، يصيب عروق الرجال والنساء سعار أصفر بلون الصديد ، وكان أغلب النزلاء يخرجون إلى الطرقات الضيقة في الحديقة الكبيرة للفندق ، والتي تصل أطراف الوادي ، وهناك كانوا يشبكون أيديهم بقسوة ، ويقبلون بعضهم بشهوة الكلاب ، حتى تحركت الدماء ، قذفوا في سراويلهم أو ركضوا مثل قطط مذعورة إلى الفراش.
سجناء الفندق كثيرون ، في الصالات ، تحت الأشجار ، وفي الليل يتوارون في ضوء القمر في الزوايا أو في الغرف المزهوة بصور بحيرات ملوثة الألوان وحولها رجال ونساء يضحكون ، ولا يعرفون معنى الألم.
لو لم يسقط المطر في اليوم التالي لدمرت ذلك الحيوان الصغير الذي رفع رأسه فجأة . لكنت حصلت على رادميلا مرة أخرى، نعم أن أحصل عليها مرة أخرى وبطريقة ما ، أن أنتزعها من أيفان . وفي أحضانها يمكن أن أنسى هذا الشهيق المتسرب إلى دمائي . يمكن أن أغمض عينيّ فلا أرى تلك العينين المخضبتين بالنداء واللهفة والحزن ، هذا الشيء الغامض الذي لا أعرف اسمه ، والذي ربما كان الحب . في أحضان رادميلا ، مثل أول مرة ، يمكن أن أنسى . وقبل أن أستيقظ حزيناً ونادماً ، ينتهي الأمر ، تنطفئ العيون وتتلاشى من رأسي . لكن شهوة النسيان التي تمنيتها أصبحت مثل ذاكرة ..: واسعة، هاربة ودائماً يغادرها الألم.
والآن، نعم الآن. وبعد مرور السنين ، إذا سقط المطر يتملكني حنين لا يوصف لأن أبكي . أحس بالدنيا صغيرة ، محاصرة ، وتوشك أن تنتهي .
وهناك لم يكن مطر الصيف فقط ، كان مطراً كثيفاً متواصلاً ينبش من الذاكرة الأحزان والذكريات . وأنتم تعرفون أن الأحزان الملعونة لا تريد جوقة من المهرجين لكي تنتزع نفسها من أكفانها ، أنها تنتظر ، وفي لحظة تقف شامخة مزدرية ، كأنها تترصد لتفجر. مطر الصيف اللعين جمع السجناء مرة أخرى. جمعهم أوّل الأمر في صالة الطعام ، ثم في المقهى ، وفي المقهى ضجّ الصغار ، وقفوا وجباههم على الزجاج يتطلعون بحقد إلى المطر ، وقفوا عند الأبواب بانتظار لحظة الهروب إلى مكان ما . أمّا الرجال فقد استخرجوا من محافظ جلدية (سوداء أغلب الأحيان)
جرائد مضت عليها أيام ، وبدأوا ينظرون إلى الحروف بملل ، وبين فترة وأخرى ينظرون إلى المطر ، وعندما يتعبون يلعبون الورق . وقبل أن ينتصف النهار تدور كؤوس البيرة
بسرعة أكبر ، أمّا النساء فقد تشاغلن بأمور كثيرة : ملاحقة الأطفال ، الذهاب إلى الغرف وتبديل الثياب ، ثم الجلوس بصمت والمراقبة النشيطة لكل شيء!
.عذوب.
08-21-2006, 05:42 PM
ومعبودتي .
كانت هناك : بنطال أسود ضيق وكنزه رمادية ، ولا أدري لماذا وضعت شالاً على كتفيها!
ألقت معبودتي مجلة مصورة على الطاولة ، وجالت نظراتها الصالة ، تفتش .. هل كانت تفتش عنّي ؟ أتوهم ؟ أحلم ؟ أي شيء آخر يمكن أن تقولوا؟
كان المطر يتساقط غزيرا مشبعاً. وبين يدي كتاب لا أستطيع أن أطويه ،ولا أستطيع أن أقرأ فيه سطراً واحداً. رادميلا؟كانت هناك تجلس متكورة إلى جانب أيفان ، وقد تقاربا لدرجة الالتصاق . كان يتهامسان كعاشقين. لم ينظرا نحوي ، وحتى التحية ألقيتها عليهما أثناء الإفطار سبّبت لهما إزعاجا، أيفان بشكل خاص .
فكرّت أن ألعب الشطرنج لأغتال الضجر ، لكن رقع اللعب الثلاث كانت محجوزة ، وكان الفتى الواسع الفم يصرع الرجال ، وهو يدور حولهم كقط . أما عندما جلست قريباً ارقب اللاعبين ، فقد استولى علي الخوف. جلست مستسلماً ، وهزمت بعد المرات التي امتلأت القاعة بضحكة ذلك الفتى الواسع الفم ، والذي يدور كقط ، عندما ينتهي من أولئك المسنين الواثقين.
وفجأة وأنا أستدير ، بعد لعبة ماكرة ، حاول الفتى الواسع الفم في نهايتها أن يتظاهر بالهزيمة ، لكنه ، في النقلة الأخيرة ، أنتصر ، وجلجلت ضحكته الواثقة ، وأنا أستدير لأغير جلستي ، رأيتها . كانت قريبة لدرجة مذهلة . شعرت أني أختنق صرخت في أعماقي وأنا أتلوى من الألم : " يا أم الأرض الخصبة ، يالهباً يشعل الحجر ، اذهبي ، لا أحتمل أن أراك قريبة هكذا لا أستحق". وبخوف حزين سحبت نفسي من الرعب.
تنفست بجموح ، وقرّرت لأن أتطلع إلى عينيها. شعرت بعناق مجنون يزدحم في دمي ، يدفعه ويوقفه ثم بعد لحظة شعرت بذلك الدفء الناعم يغطيني . أغمضت عيني . شممت رائحتها تملأني . كانت كخيمة خضراء فوقي ، ولما بدأت أتذكّر متى جاءت ، أحسست أن المدى حولي ، في لحظة معينة ، بدأ يزداد اتساعاً وبياضاً، حتى غطّى الأرض كلها ، ثم أحسست بشيء أقرب إلى الدفء يتساقط ليصبح حاداً ومسيطراً كالألم وتأكدت أنها جاءت في تلك اللحظة.
لما حركت كرسي قليلاً لأعتذر، لأفسح لها، مسّت قدمها قدمي. سحبت قدمي. نظرت إلي وعبرت وجهها ابتسامة صغيرة شاحبة، ثم استدارت بعبقرية ومشت.
الآن أراها، أراها قريبة كجفن العين. كانت هالة من الضياء ، من الفرح . ما أشد بؤس الكلمات . ليتني أصاب بالخرس الكلي وأختنق ، وليت أن رادميلا ظلّت وفيّة لي بضعة أيام أخرى . لو أن الحزن لم يهزمني ذلك الصباح ، لظّلت رادميلا معي. كنت الآن بنظركم ظافراً ، لكن ، وايفان ثعلب ، لا يكّل ولا يتعب، أذ ما كاد يراها تخرج من حزني ، حتى حاصرها، واستسلمت له بسرعة لتقتلني ، ثم هربا معاً. عندما هربت رادميلا رأيت بعيني هوة ساحقة تمتصني ، لم أستطع ان أقاوم، ثم أصابني الهلع.
قرأت جزء من القصة
وسأعود لإكمالها
ثانكس عذوب :25:
..
.عذوب.
08-24-2006, 01:03 AM
قرأت جزء من القصة
وسأعود لإكمالها
ثانكس عذوب :25:
..
هلاا وغلاا بوسن سعيدة بقرائتك وأتمنى أن تستمتعين ببقيتها:p
.عذوب.
08-24-2006, 01:08 AM
أمّا تلك الأبتسامة الصغيرة الحزينة التي ارتمت عليّ ، فقد جعلت الأرض تغور ، آه ما أشد عذاب تلك الأبتسامة . كانت متشجنة ومذعورة . وأنا ، سموا أفكاري أي شيء ، لأن الأرض لم تحمل على ظهرها من هو أجبن مني . كنت في تلك اللحظة أرنباً مقوس الظهر وملعوناً. كنت أخاف من ظلال الأشجار، من صوت الريح . وأنتم أيّها الناس ، يجب ان تجلدوني مئات الجلدات . لا تكونوا رحماء معي ، وأنا لا أستحق الرحمة أبداً، أبصقوا عليّ ، لو أن كلمة قلتها ، لوان مسّة قدم أخرى ، أبنسامة شجاعة، آه اتركوني ، لقد تعذبت أكثر مما أطيق ، والآن ، وبعد مرور السنين ، اذا سقط المطر ، اذا لم يسقط المطر ، أتعذّب.
نقر على كتفها ، أرتجفت ، تلفتت بذعر . كان وجهه جافاً ، وشعيرات حمراء ، من اثر نزيف داخلي لاينتهي يغطّي وجنتيه، لم تكن تحمل رغبة او علامة تعبّر عن شيء ما . صلابة واثقة، ورضى ، ثم أوامر مختصرة.
مشت الى جانبه بهدوء قطة. احتواني كون أخضر . كنت أرشح جبناً . نحوّلت الى حيوان مذعور محاصر ولا يقوى ان ينظر في العيون خوف ان يصعق . كنت ألهث وأنا أحاول التنفس ، اما الأصوات ، غير المسموعة ، التي ماجت داخلي ، فكانت ترتطم بجدار صدري ، ويصبح لها دوي هائل موجع . قلت لنفسي بعد ان غابت : "آه لو استعطت ان أرد عليها بابتسامة واحدة"
تصوروا ، كنت أتظاهر بمتابعة اللاعبين ، لم أرّ شيئاً. أما وهي تبعد فتملكني جرأة مذهلة ، بدأت أنظر اليها، أتابعها كانت تسير في الوسط ، زوجها ناحية اليمين ، والولدان ناحية اليسار ، كانت قدمها الصغيرة ، وهي تنتقل تدوس على قلبي في كل خطوة ، كانت خطوتها تزحف في دمي ، تركض . شعرت بالنقمة والحزن. صرخت من العذاب : "أيّها الرب الكي القدرة اريد قليلاً من الهواء لكي لا أختنق". ومع كل نقلة قدم ، في الساحة الفارعة ، أحس دمائي تنفر كأن ضغط القدم يجز رقبتي وعيني. وأتذكر رادميلا ، وأتذكر ايفان . وأخاطبهما بصوت مبحوح : لم أنسى لكما هذه الأساءة.
لو أن رادميلا لمست مدى العذاب الذي يركض في صدري لغفرت لي حزني . لكنها قالت لي بتعالٍ وهي تتركني :
ـ احمل معك التوراة مرة أخرى ، وأقرأ على قبور القرية المجاورة.
" أكره الحزن يارادميلا . لا أحبه أبداً . وهل تتصورين رجلا على ظهر الأرض كلها يحب ان يكون حزينا"؟ كدت اقول لها هذه الكلمات التي عبرت رأسي ، لكني لم أفعل . ظللت صامتاً.
نظرت رادميلا اليّ وهزت راسها لما رأتني صامتاً، ثم قالت:
ـ عشرة أيام في الجبل ، الى جانب البحيرة ، وبعدها نعود الى الدراسة والعمل. يجب ان ننسى . وأنت ، لماذا لا تريد أن تنسى؟
.عذوب.
08-24-2006, 01:12 AM
لم أقل لها شيئاً ابداً. وأنتم لا تستطيعون ان تقولوا اي شيء. أضحكوا بسخرية ، ولكن دون ان ارى . واذا علت قهقماتكم فسوف أشتم مثل ابليس ن سوف اقول لكم : أيّها الخنازير ، يا مّن تفتقرون الى القلوب . يامن بالت عليكم أمهاتكم لكي تشفى الدمامل المنتشرى فوق صدوركم ووجوهكم ، لن أقول هذا فقط، سوف أقول أكثر : أنتم ، يا أربطة العنق ، سوف أشنقكم بهذه الأربطة ذات يوم. لن أكون رحيماً. الرحمة لا تعرف طريقها الى قلبي. ومن تريدون ان ارحم؟ الصدور المجوفة ؟ الصدور المليئة بالقيح، أنتم؟ لا تخافوا ، سوف أتصرف كوحش.
وأنت يارادميلا ، آه لو ان تلك الليلة لم تنته. لو كانت لي قدرة ثور او رغبة كلب ، لكنت الآن تلبدين الى جانبي مثل قطة مقطوعة الذيل. كانت تلك الليلة قصيرة ، فاجعة الحزن . وكنت ثوراً هرماً مهزوماً. تعبت بسرعة . ارتميت . وفي الصباح أصابني الحزن والندم . ولم تحتملني ـ تركتني رادميلا ، والآن ، وأنا أرى الباب يبتلع قدسيتي ولا أعود اراها، أضع اصبعي في عيني واضغط . لم أكن أريد ان أرى شيئاً. لم تعد موجودة ، ذهبت .أين ذهبت؟ هل تخلع ملابسها الآن؟ هل تقف أمام المرآة لكي تختار ملابس جديدة ؟ وهو هل يقوى ان يحّول نظره عنها لحظة واحدة؟ كيف يستطيع ان يترك ثانية تمر دون ان يزحف تحت عطرها ، دون أن يمرغ وجهه عند قدميها؟
وأنت أيها -"أستغفرالله"، يامن أوكلت الآباء المقدّسين تلقي الاعترافات ، كان أولى بك ان تفعل شيئاً آخر.. شيئاً أفضل. ان تأمر هولاء الذين لا يكفون لحظة، حتى أثناء القداديس ، عن الخطيئة ، أن تأمرهم بالصمت المطلق ، وأن تقف لحظات خشوع لكي تتجلى قدرتك أكثر ، أن تقول لرادميلا : " شيء من الحزن غذاء القلب". أو أن تقول للشعيرات المنتشرة على الوجه الصلب الراضي : " أترك هذه الفراشة ، الموجعة القلب ، أتركها تلوّن الحياة بموسيقى الفرح". لكنك أيها الرب ، لم تعطني قلباً شجاعاً. لماذا لم تقبل لقلبي أن يكون باسلاً مرة واحدة فقط؟
هل كانت في غرفتها تبكي ؟ تفّكر ؟ لماذا تبدو حزينة هكذا؟
قلت لها بيأس : "لماذا الحزن أيتها القدسية المتوجة في قلبي الى الأبد؟"0
شعرت بلفحة الكآبة تخنقني لما رأيتها هكذا حزينة ، وتمطت كآبة سودا في قلبي لما تصوّرت ان الانسان يمكن ان يحزن هكذا!
.عذوب.
08-26-2006, 01:51 AM
في وقت ما، (لا أدري أي وقت ، لأن اموراُ كثيرة عبرت رأسي دون روية) جاءت الى الصالة وحدها . كنا وحيدين في الصالة . تصورا ، كنا وحيدين . شعرت بالخوف . بدأت أرتجف . انقذفت الى ذاكرتي كلمات قرأتها ذات يوم على قبر . نظرت اليها . كانت حزينة بشموخ ، قالت لي عيناها وهما تنسكان عليّ : ماذا تريد؟ نعم قالت ذلك عيناها . قالته بطريقة آسرة ومدمرة أصابني الخوف أكثر من قبل . تكّومت . أستندت الى الكرسي لكي لا أتمزق . سقط كرسي آخر من الحركة البلهاء تموجت في داخلي . كان لسقوطه دوي يخض الدم ، لكن ابتسامتها التي حاولت أن تلملمها بثني رأسها ، جعلت كل شيء متفجراً.
جلست . أخذت مكاناً بعيداً وجلست . نظرت اليها بارتباك . هزّت رأسها وكأّنها تصمّم على شيء أو تغني . كنت أريد أن أجمعها بطريقة ما لأضمها في عيني . كانت تنظر عبر الجاج وتفكّر . أخرجت سجارة من حقيبتها ، شمّت رائحة التبغ بتلذذ . آه ، لو أن الشمس تحّولت في يدي الى جمرة . لو ان ذلك حصل مرة واحدة لأوقدت لها السجارة واحترقت . كنت أريد ان أفنى .
أن اذوب . لماذا لم اقترب ؟ لماذا تركتها تشعل السجارة والقداحة الذليلة تنام في جيبي كأّنها حثة حمامة ؟ تطلعت اليّ أكثر من مرة قبل أن تشعلها . بدا لي انها لا تجد كبريتاً ، كنت أعمى . كنت جباناً . وأنتم أيهّا الآباء المقدّسون ، هل تحاسبون رجلاً جباناً ، ولا يحمل في قلبة رغبة شريرة ، ويريد ان يشعل سيجارة امرأة حزينة ولا يستطيع ؟ يجب ان تقولوا شيئاً . ان الاعترافات التي ارتمت في ذاكرتكم لا تستطيع ان تهز شعرة في عرش الرب.
بدا لي كل شيء دون معنى .
فجأة نهضت . لم استطع أن انظر اليها. أحسست بنظراتها تحاصرني ، تلاحقني . لكن برعونة يائسة تصلّبت عضلاتي . أصبحت لا أنطر الاّ الى أمام .. وفي لحظة لم أعد أرى شيئاً.
وفي المرحاض ، الذي ذهبت اليه دون أن أدري ، لم أفعل فيه شيئاً ، سوى اني قذفت القداحة بازدراء ، وخرجت.
كان مطر الصيف ، لكنه هذه المرة فقد قسوته وكثافته وبدا مزدهراً عابثاً وأقرب الى الرذاذ.
ابتعدت كثيراً عن الفندق . استندت الى شجرة وبكيت . لأول مرة أجد نفسي بعد سنوات طويلة أبكي . قولوا أقسى الكلمات . أبشعها . قلبي الذي بكى . كان قلبي كطفل يبكي دون أن يدري ، ولا يعرف لماذا؟ وأنتم ، الكبار ، المسنّون ، الوقورون ، المزهوون ، تسخرون من قلبي الذي بكى ؟ لا يهمني ، سوف انتقم منكم ذات يوم.
وفي وقت ما ( لا أدري أي وقت ، ان ذلك شيء غريب للغاية) مرّ ثلاثة فلاحين . قلت لأحدهم ، وكان يضع غليوناً في فمه:
- لديّ تبغ . تبغ جيد ، وأريد نبيذاً جيداً بدل التبغ.
- كانت طريقتي في الكلام لذيذة ، أو هذا ما بدا لهم .
ضحكوا . نظروا اليّ بحب. قال لي واحد منهم:
- امش معنا وخذ زجاجة كبيرة من النبيذ ، ولا نريد التبغ .
- التبغ أو لا أريد شيئاً.
هزوا رؤوسهم بصمت ومشينا معاً . كنا أغلب الوقت صامتين . لكن قبل أن نصل القرية ، انفجر واحد منهم بضحكة عالية، دون سبب . نظر الآخران اليه باستغراب ، ثم شاركاه الضحك . قال الذي ضحك أولاً وهو يغرق من الضحك اكثر من قبل:
- رأيت مرة رجلاً أسود قرب السوق . كان حزيناً أكثر مما ينبغي ، طلب الي أن أعطيه نبيداً مقابل حذائه ، رفضت . رجا نبيذاً مقابل شيء أهم من ذلك بكثير.
وبلهفة سأله أحد الرجلين :
-ماذا أخذت منه؟
-قال:
-في الليل أخذت أفكاره ، كان يفكّر بالانتحار من اجل امرأة ، لكن في الليل بعد ان شربنا وغنينا وضحكنا كثيراً ، بدا الرجل يبكي ويشتم نفسه ، وفي الصباح لم يفكر بشيء سوى أن يهرب منا !
عندما سمعت القصة توقفت ، وتوقف الرجال . نظروا اليّ بأستغراب . قلت :
- لا أريد شيئاً!
ولما ابتعدت قلت كلمات أضنهم لم يسمعوها .قلت لهم :
" انتم رجال ماتت قلوبهم ، ولا تعرفون معنى الحب "
ركض ورائي احد الرجال الثلاثة ، قال والمسافة بيننا لا تزال خطوات كثيرة :
-تعال يابني ، عندنا كل ماتريد ، النبيذ والحب.
توقفت حتى وصل ، نظرت في وجهه . بدا حزيناَ . قلت :
- كنت أمزح ، لا أريد شيئاً!
.عذوب.
08-26-2006, 01:56 AM
لم يفهم أوّل الأمر ، ظلّ ينظر إلي ، لكن لا يراني . تأكدت ان هماً في قلبه يعذبه . استخرجت سيجارة ، و أولعتها ، ثم قدمتها إليه . تناولها بصمت وهزّ رأسه . قلت وأنا استعد للرحيل :
- الأفضل أن أعود ، والأفضل أن تعود أنت.
هزّ رأسه بأسى ، ورفع يديه بتحية صغيرة وأسف.
قلت لنفسي وأنا اتجه الى الفندق : ايّها الآباء المقدسون ، تعالوا واسمعوا اعترافات رجل حزين . الأرض مليئة بالرجال الحزانى .
وحتى الآن لم تسمعوا سوى اعترافات المخطئين ، اما الذين يموتون كل لحظة ، فأنتم لا تعرفونهم ، حتى الذي في السماء، يسند على يد ويعبث باليد الأخرى ، لا يعرف الآلالم التي يعاني منها الحزانى ، واذا كان يعرف فلماذا خلق هذا المقدار كله من الحزن! "أستغفر الله".
لما وصلت وصلت قريباً من الفندق نظرت الى الخلف . لم أر الرجال . كانت أضواء القرية تبدو باهته متعبة ، كأنها تسحب نفسها من أعماق مغارة الكراهية!
.عذوب.
08-28-2006, 09:57 PM
حتى التاسعة نمت . في السهرة لم أجد مكاناً في الصالة الاّ بصعوبة . كان الغرباء قد اتوا ، أماّ هي فلم أرها. هل أتت ؟ هل ذهبت مبكرة؟ ألا تزال حزينة ؟ وهل يحتمل أن تكون قد آوت الى فراشها جائعة ؟ وهو.. أين هو ؟
كان الغرباء ، وكانت رادميلا وأيفان . شربت كثيراً تلك الليلة . وقلت لفتاة ارادت ان تراقصني عندما حان دور النساء في طلب الرقص:
- قلبي يطفح بالحزن . قد أرقص ، لكن لو أن راقصاً آخر كان بدلاً عنّي لقضيت ليلة هانئة.
نظرت ٌإليّ ياحتقار ولم تجب . لم أكن أنا الذي نطقت بهذا القول المأثور ، فكؤوس الكونياك ملأت رأسي بشجاعة نادرة!
طوال صباح اليوم التالي لم تظهر. رأيته ورأيت الأولاد. أما هي فلم تظهر . هل كانت تنام؟ هل أنتحرت؟ وعيناها، القنديلان اللذان يربض فيهما عبث الاله ، قوته وجبروته، وجوده ونفيه، أين هما؟ قلت لنفسي بنزق : أيتها العيون التي انفجرت في ظلمة الحياة التي أعيش فيها . سوف أعبدك . انا مجوسي أكثر من مجوس الأرض كلهم.
وأنا أغرق في أفكار متشائمة، تذكّرت قصص العشاق الصغار الذين انتحروا ، الذين شربوا السم، الذين علقوا أنفسهم بحبال على أشجار الزيتون ، وماتوا . الكتب القديمة تحكي عنهم ، تحكي عنهم بأسى . أنا ، لا أريد ان انتحر. لا أجرؤ على التفكير بهذه الجسارة . هل أصبحت كبيراً؟ وقلت لكم ولا أزال مراهقاً، والكبار ؟ كيف انتهى الكبار المسنّون؟ الشعرات البيضاء تتوغل في رؤوسهم ، الغصون تربض بهناءة حول الفم والعينين ، كانوا كباراً، ولكنهم أحبوا ، هل انتحروا؟ هل قرأت هذا في كتاب؟ سمعته؟ توهمته؟ ليس من حقكم ان تستجوبوني . ما أقوله لكم حق ، وعليكم أن تصدّقوا !
زانا ، الدبيب الزاحف عليّ، والذي يلعق قلبي بنعومة موجعة ، ماذا أسميه؟ اللهفة؟ الحب ؟ لنترك كلمة الحب ، انها خطيرة لدرجة لا احتملها ، انها شديدة القسوة ، قد اخطىء في استعمالها ، وربما تحوّلت على لساني الى انشودة لا يجدر ان اتركها طليقة هكذا . ان ما أحسّه أقرب الى رغبة البكاء .
حكيمكم الأعور يصرخ الآن : قلت لكم ما يحتاجه هذا الرجل الحنان!
وأنا أصرخ في وجه هذا الحكيم ، أصرخ بجسارة ترعبه ، حتى يبول في ثيابه: الانسان المنسي في هذا الجبل ، مطر الصيف ، الوحدة ، الشوق الجارج لانسان ، لامرأة ، لا ، لا أكذب عليكم ، أكذب ، ولكن بمقدار حبة الدواء الصغيرة . كنت في ذلك المنفى الجبلي اشتاق لعناق رحيم ، ليد صغيرة دافئة تقبض على يدي . كنت أريد عينين أذوب فيهماا حتى أتلاشي ، وكانت هي .
لو قلت لكم ان أفكاري نظيفة مثل أوراق اشجار الصنوبر المغسولة بمطر الصيف ، لكذبت . لكن لم أكن أفكّر بالمضاجعة . لم أفكّر ان تتحول هذه المرأة بين يدي إلى راداميلا ، كنت أريد أن ألمس يديها . ان أَقبّلها . أن أضع رأسي على حضنها وأغفو .اذا فكّرت أكثر من ذلك أقطعوار رأسي واعهطوه للكلاب ، وأنتم أيهّا الشديدو التزمت ، ماذا تستطيعون أن تقولوا عن الأفكار الصغيرة التي تحركت في رأسي؟ الخطيئة ؟ ولكن أين هي الخطيئة؟ حتى اللحظة لا أشتهيها . ووصية المسيح التي تستندون إليها لا يمكن أن تجعلوها مقصلة لتنتزع رأسي بكل هذه البساطة . لم اشته أمرأة غيري ، كل ما أردته أن أغفوا في تلك الجنة لحظة واحدة ثم أموت!
.عذوب.
08-28-2006, 10:01 PM
رادميلا . شعر متطاير في عتمة المساء على كتف ايفان . شفتان غليظتان شهيتان . عندما كنت أقبلها لم تكن شفتاها مثيرتين كما رأيتهما فيما بعد وهي تقبل ايفان، " أين ستهربين منّي يارادميلا!" المدينة تنظرنا وايام الشتاء الطويلة . وفي المدينة سوف اكتشف شفتيها مرة أخرى ."أرفعي رأسك يا رادميلا . أنظري إليّ . لا تتحركي ، أريد ان أرى الشفتين".
لا اريدك ابداً يارادميلا ، هنا . لو كنت بعيدة لشعرت بالراحة، القطة الماكرة التي تنام بين ثيابك لا تكف لحظة عن الخرمشة . تبتعد الآن وايفان ، لكن إلى المقدار الذي يسمح لي ان اراها . على شاطىء البحيرة تدور ، حتى اذا رأت وجهي أبعدت وجهها بسرعة مثيرة وجلست . تعطيني ظهرها ، ولكن لا تكف عن النظر ، ونحت الصنوبرة الكبيرة قرب التبغ تختار مقعداً بذاته لكي أرى "ايفان ، لا تصدّق أن قطتك ستفلت مني". لكن شكراً لشيء ما ، لإيفان ، للشهوة للجبل والبحيرة ، شكراً لشيء ما هو الذي انتزع رادميلا منّي.
بقيت وحيداً. أحساس الانسان بالوحدة في أماكن معينة ، في أوقات معينة ، أحساس بالغرق . يحس انه محاصر بالمياه من كل ناحية ، وحجارة كبيرة في رجلية تشده ، تجره الى أسفل ، وفي الأعماق احساس بالغرق كثيف ، عام مليء بالوحدة . فإذا سقط المطر أصبح الشعور بالغرق شديد الطغيان واليأس .
صحت السماء في اليوم الثالث . جلست في الشرفة ، ذات الشرفة الملعونة التي كتبت شهادة نهايتي . الشمس مليئة بالدفء والروعة والبحيرة ساكنة مثل سمكة شديدة الصلابة والثقل، والأشجار تولد مرة أخرى ، تولد : اكثر خضرة . أكثر طفولة.
كانت تضحك وهي تتقدّم . دفعت الباب بكتفها الأيسر ، والسيجارة في يدها ، وعلى رأسها قبعة قش كبيرة . كانت تنظر إليهم وقد تأخروا عنها خطوة . لما رأتني أجفلت . تراجعت الضحكة عن شفتيها، وكأنها تعتذر . انتقلت بسرعة من الجهة التي كانت تسير فيها، ، وقد كانوا وراءها ناحية اليمين ، إلى الجهة الأخرى ، أعطتني صدرها كله وهي ماتزال تبحث بقلق عن نقطة التوازن.
هل يمكن للإنسان ان يكون شديد الروعة الى هذه الدرجة ؟
وهل يستطيع انسان آخر ، أي أنسان ، ان يكون مثلها؟
الآباء المقدسون فتحوا دفاترهم .. ضاقت عيونهم وارتجفت . يقولون في أعماقهم المظلمة المليئة بالحقد والشهوة : الآن يقع هذا الانسان ، الطير يقترب من الفخ . واذا كانت وصية السيد المسيح ، والتي نهت عن اشتهاء زوجة الغير لم تطبق عليه، فنحن الآن نطبق عليه وصية الخطيئة الكبرى ، الخطيئة المميتة. يجب ان يعترف . ان يقول كم من الخطايا تموج في صدره ، ولكن اصبعي الذي وضعته في عيني لأخنق الأفكار الشريرة ، الأصبع نفسه سأمده في أعينهم . سأخترق هذه العيون، لأقول بصوت يشبه سقوط الحجارة في واد سحيق ملىء بالماء الساكن .
هل يمكن لإنسان ان يفكر باغتيال فراشة صفراء وسوداء ؟
فراشة قاسية الجمال وحزينة ؟ الآباء المقدّسون قد يفعلون ، يريدون ملء اوقاتهم الفارغة باغتيال مخلوقات الله الصغيرة . لم أفكّر في ذلك لحظة واحدة . لم تكن هذه المرأة فراشة . لم تكن طيراً ملونناً . انشودة ، لم تكن غصناً من شجرة زيزفون صاخبة الطهارة والنقاء ، لم تكن موجة صغيرة مسننة الأطراف . كانت أكثر من ذلك بكثير ، وأنتم أيّها الآباء ، كفوا اذاكم عنّي ، وانتم أيّها الآخرون ، لكم كل الحق في ان تقولوا : ابله . المراهقة لا تكفي ، الحرمان صغير مثل بئر جافة ، ماتسمعونه الآن أقرب إلى البلاهة .
.عذوب.
08-28-2006, 10:03 PM
في الثلاثين ، أكثر قليلاً، اقل قليلاً ، لا يهم . في الجبل العالي المليء بالخضرة والتفتح ، ورادميلا المرأة الشهية وغيرها من النساء , ولكن بالنسبة لي ليس إلاّ هذه المرأة التي تطوقها الآن مجموعة تسير وراءها مثل حاشية ، والزوج بقميصه الملّون وصمته ، وأخيراً صحته النابية.
لم اختر ، لم ارتب شيئاً . وقع الأمر دون ان أدري . وقع فجأة ةأصبح شلالاً من الحمى والحصار .
هل أحنت رأسها بتحية صغيرة ؟ هل رأيت ذلك أو توهّمته؟ ان شيئاً ما وقع . وجدت نفسي أتكوّم فوق الكرسي ، أريد ان أغوص فيه . لو امتلكت الجسارة لهربت . لوقفت كعبد فاسحاً الطريق لهذا الملكوت المقدس الذي يسير على قدمين . ارتخت عضلات جسدي من الخوف .. اعذروني اذا قلت لكم أنّ لعابي سال دون أدري. أحسست به كطلقة مفاجئة فوق ذقني . وحدها التي رأت . خجلت كثيراً ، لدرجة البكاء . رفعت يدي بسرعة أريد أن أمسح اللعاب ، وددت في تلك اللحظة لو أتحوّل الى خفقة ريح ، لأهرب وأتلاشى. لو أصبح عموداً حجرياً أخرس . كنت أحس بعنفوان ثور إلى الانسحاق.
الدودة الناغلة في الدم ، دودة الرجال والنساء المختنقين بالبؤس ، كانت هذه الدودة تنام دهوراً ، تموت ، تتلاشى ، ثم فجأة تنفجر ، تتحول إلى ريح قوية تصفع جدران الصدر من الداخل.
عندها يستحيل عليّ ان أنام. يصبح النوم حيواناً له ألف مخلب مغروسة في لحمي ، رابضة فوق الرقبة تماماً ، ويضغط حتى اذا انتهى الحلم الثقيل ، ساد شعور بالذعر.. وعدت إلى تلك الحالة التي يسمّونها اللهفة.
الدودة نفسها ، السوداء ، تغلغت في دمي . كنت مختنقاً بالبؤس في ذلك الفندق الجبلي ، حيث جيئت التمس الرحة ، (أو النقاهة كما تخب ميرا) وفجأة ، بعد ان رأيت تلك العيون ، لم استطع ان أنام . جثمت فوق صدري حيوانات كبيرة ، أسنانها حادة ، ولها مخالب من فولاذ ،ولما حاولت ان أهرب منها وجدت نفسي اسقط في اللهفة.
لم أستطع أن أبقى طويلاً. ظننت في لحظة ما أنّني سأموت . وفي لحظة أخرى خفت من البكاء بصوت عال. وتصوّرت نفسي أتحول إلى لعاب لزج واغرق . ان الذي يجثو على الكرسي الأبيض ، ماداً رجليه على طرف السور ، لا يمكن ان يكون مجرد امرأة ، لها عينان حزينتان وقلب من الزمرد . ان ما أراه أمامي كنزاً من حنين لا يحلم به طير ، لحظة الانتقال الأقصى جمالاً إلى الريح والأشجار وماء البحيرة العميق ، آه لشد ما أحسّ بالعذاب.
تصّورا ، لم يكونوا ينظرون إليها . كانوا مشغولين بأوراق تفوح منها رائحة التفاهة ، كانوا يفكّرون بتلك الكلمة اللئيمة التي تتراجع في كل ذاكرة . لتقف في ذاكرة من اخترعها مثل متسول ضجر، اتركوا الكلمات المتقاطعة وانصتوا إلى أنفاسها العذبة التي تخفق في صدرها كموجات صغيرة من الياقوت . انظروا إلى عينين لم يحلم بها بشر . لقد كان الرب مفتوناً لدرجة الانصعاق عندما صنع من الطين الأصم هاتين العينين ، ولكن هذا الرب نفسه يريد ان يغمض (في لحظة ما) هاتين العينين ويجعلهما تراباً مرة اخرى . لشد ما في ذلك من عبث وقسوة . ولشد ما يخلف في النفس ألماً يصل الى درجة العويل ، اتركوا الأوراق ، اتركوا كل شيء ، وطوفوا بوجل حول هذا العرش ، حول هذه النار الناعمة المشرئبة ، التي لا تنطفىء ، حتى لو أراد الرب.-"أستغفرالله"0
كانوا يحلّون الكلمات المتقاكعة . سألوها أكثر من مرة ، لكن لم تجب . نظرت إليّ وضحكت.
"رادميلا، لن أغفر لك هذه الخطيئة . لو كنت بدل ايفان ، في تلك الليلة ، لكسرت اضلاعك ، لجعلت شعرك كومة من الصوف ، تعبث بها الريح المتسللة من النافذة . لكن ايفان وهو يمسك ببيدك يتحّول إلى طبيب يخاف من العدوى ، رادميلا ياذات الشفتين النابيتين ، لو امتلكتك هذه الليلة لجعلت أنهار العذاب التي تنبع من داخلي رصاصاً مصهوراً يذيبك ويحولك ‘لى بخار "أزرق مميت" كان يطغى عليّ شعور ان أدمّر شيئاً ما.
رادميلا أبعد مما أتصور . رادميلا في هذا الصباح تذهب بعيداً . تجاوزت شجرة الصنوبر الكبيرة وبعد قليل سوف تصعد ويدها تلوح مثل شراع مقطوع إلى أعلى التل . سبقها ايفان إلى هناك ، وربما انحدرا إلى الناحية الثانية . ايفان يريد ان يبتعد كثيراً . يحس نظراتي الضجرة . يحس برغبتي تتموج وهي تلاحق رادميلا ، وكأنها الريح الساخنة. "ابتعد يا ايفان ، لم أعد أقوى على أن أنظر اليك".
يجب أن يقول لي أحد كيف يفكّر الانسان ! أريد أن اتابع هذه الرحلة المظلمة . كيف تنبثق الفكرة _ الرغبة ! كيف تكبر وتتطّى في الدم ، ثم كيف تتحول إلى عويل .
بالنسبة لي حصل كل شيء بغموض . رأتني أعض شفتي فأدميها ، ثم رأتني افرك ذقني بعصبية ، في نفس المكان الذي سال عليه اللعاب (المعذرة لهذه القذارة) نظرت إليّ كأّنها تلومني ، ثم لما اطفأت السيجارة برعونة أمالت رأسها (رأيت ذلك بعيني) قليلاً ، كأنّها أم التمعت في عينها نظرة قاسية.
لما استعصت عليهم بعض الكلمات التفت زوجها الى المرأة والرجل اللذين كانا يجلسان معهما ، التفت بفخر أقرب إلى القرور ، وقال:
- ليليان هي التي تحلها!
نظرإليها بطرف وجهه ، اقتربت منه مرغمة . اكبّت على الأوراق تحاول أن تفك بؤسها . وفي تلك اللحظة المدمرة المجنونة ، هربت .
وسام الفارس
09-01-2006, 01:18 AM
تسجيل حضور.....
سأتابع
.عذوب.
09-01-2006, 03:09 AM
تسجيل حضور.....
سأتابع
أيها الفارس سعيدة بحضورك
وأتمنى أن تستمتع بهــا...
:25:
.عذوب.
09-01-2006, 03:14 AM
عرفت اذن اسمها.
وأنا أصعد باتجاه شجرة الصنوبر ، بدأت أردّد لسمها، ردّدته مرات كثيرة . تركت حروفه تنساب في أذني ودمي . رددته بصوت عال . ثم بدأت اكتشف اسمها في الأصوات حولي . كان يصعد من صوت الريح . من صوت الطيور الصغيرة (سمعت جندياً صغيراً يرّدّده) سمعته أقرب إلى الوضوح عند الجدول . كان ليليان، ليليان. أتوهم؟ أحلم؟ لا يهم . يمكن أن تقولوا الكلمات الكبيرة التي يخجل الناس الوقورون من أن يقولها بصوت عال . اسمح لكم ، لن أغضب . ماذا تعرفون عنّي ؟ اجيبوا ان كنتم رجالاً شجعاناً. سوف تقولون الكلمات المبتذلة اياها . الكلمات التي يجد لها حكماؤكم مرادفات غير التي يردّدها المتعبون والسكارى ، يستخرجونها بوقار ومشقة من كتبهم الثقيلة الوزن ، اعرف ان مايقولونه لايعادل جثة فيل ميت!
رادميلا هي التي رمتني بالحصى . كنت غافياً تحت شجرة حور ، قريباً من النبع . لم أكن نائماً ، كانت عيناي مغلقتين ، أحاول أن أستعيد صورتها . كنت اراها اشد وضوحاً من شجرة الحور ، أشبه ما تكون بالماء ، رادميلا وهي ترمي الحصاة الثالثة لم تكن أكثر وضوحاً من ليليان التي كانت بعيدة كثيراً في ذلك الوقت!
جلس ايفان بجانبي تماماً . لم يكن يريد ان ينظر إليّ مباشرة . كان يريد أن يراني من خلال انعكاس صورتي في عيني رادميلا . غير جلسته اكثر من مرة . رملا عدداً من الحجارة في الجدول ، كأنه يرجم احداً ، وعندما قدمت له سيجارة أخذها بعصبية ، فركها بين أصابعه، ثم أشعل عوداً من الثقاب لسيجارته فقط." أهذه كل وسائلك يا ايفان في الحرب التي تخوضها ؟ انظر إلى رادميلا ، انظر اليها جيداً ،وفي عينيها بالذت ، انها تشتهي كل الرجال ، وانت لا تتعدى واحداً ، واحداً عصبياً أقرب إلى أن تقتل نفسك من الغيرة!".
لن أخوض حرباً ، انا الذي قرّرت أن لا أحارب ، حتى لو أراد ايفان . ما أفكّر فيه أكبر من كل الحروب ، اقسى منها ، اشد عذاباً. " اذهب يا ايفان . اتركني وحدي ، أريد ان أردّد اسم ليليان بصوت عال ، أريد ان أتمثلها في لحظات فتونها الأشد روعة من كل شيء . ايفان ، لك عذابك الآن ، وفي كل وقت ، وأنا ، ألست انساناَ يا ايفان؟ هل تريد ان تكون مثل الآخرين فتنظر إليّ تلك النظرة المشوبة بالعتاب ورغبة التحدي ؟ اتركني . لا أريد منك أي شيء " وانت يارادميلا ، هل نمنا معاً؟ هل عرفتك في وقت من الأوقات؟ تخطئين كثيراً اذا تصّورت ذلك . اما الرغبات فالمدينة تابوت كبير يتسع لكل شيء!".
رجعت إلى الغداء متأخراً . كانت الصالة فارغة والخدم يجمعون المفارش . نظروا إليّ بضيق ، ولي لا أزعج أحداً ، قلت:
- أريد قدحاً من الكونياك فقط، وسوف أجلس في الشرفة .
ارتاحوا . قال لي الشاب الصغير ، الذي يتحوّل إلى راقص ماهر يجذب الأنظار كل ليلة ، وهو يضع القدح أمامي وإلى جانبه كوب الصودا :
- العشاء هذه الليلة في السابعة!دوابتسم كتعزية عن الغداء الضائع!
وفي المساء تغيّر كل شيء : النساء لبسن أحسن الثياب وأجملها . شباب القرية جاؤوا إلى الفندق وظلّوا جماعات في البداية حتى ألفوا الجو ثم ضاعوا بين الناس . ارجال لبسوا بدلات داكنة وظهروا أصغر من أعمارهم . رادميلا وايفان لم يظهروا إلا في ساعة متأخرة ، وقد بدا عليهما الاعياء.
.عذوب.
09-01-2006, 03:17 AM
اثنان كانا يفيضان حزناً رمادياً شاحباً، ليليان وأنا . لم ترقص . رفضت جميع عروض الرقص ، بدت قاسية في رفضها . أمّا زوجها فقد بدا سعيداً في كل مرة وهو يراقص تلك الشقراء الطويلة . كان يبتعد ، يذهب إلى أقصى الحلبة . وهناك أرى ضحكة صغيرة تطفو على وجهه ، وأرى يده اليسرى تتحول إلى ملقط رطب وهو يضغط على خصرها . لم يبد عليه الندم لحظة . عندما تعب ، وجلس كل في مكانه ، بدا قلقاً ، وصامتاً ، كان يراقب الراقصين أغلب الوقت ، ولم ينظر إلى القديسة
تخطئون كثيراً أيّها الآباء المقدّسون اذا ظننتم أنّ السماء وحدها مكان السعادة , على هذه الأرض يوجد شيء ما . لا أزعم انه اكثر من الفرح ، وما يحتاجه الانسان هو الفرح ، اذا اراد أكثر منه ضاع في متاهة البحث عن وجود شء لا وجود له!
في الساعات الثلاث التي ظللنا خلالها في الصالة ، شعرت بفرح حقيقي . فرح لا يحدث للانسان إلاّ نادراً . عيناها نوافذ مضيئة ، تعلن بين ارتفاع الجفن وسقوطه احتضاناً بكراً لما يمكن ان يعتبر اتحاداً أزلياً بين كل الأشياء . السيجارة بين أصابعها ابتهال لقوة ما ان تفك عنها الحصار ، اشتهاء حقيقي وخصب للحياة . أمّا قدح النبيذ الذي لم يتغيّر ، فقد انعقد في ذاكرتي كتاريخ حقيقي ووحيد لما يمكن أن يسمّى الفة بين أثنين . تمنيت لو أصبح ذلك القدح ـ كنت أتطلع اليها عن قرب بتوسل متحضر ، برجاء المحكومين التائبين . كنت أريد أن أقول لها: " يدك أيّها السر المقدس ، يدك وهي تلتف على القدح تلتف على عنقي كخيط الحرير ، شفتك وهي تعانف حافة القدح مثل عناق الأمهات لأولادهن الذاهبين إلى حرب بعيدة ، وأنفاسك التي تنزلق بنعومة الرمال فوق كل شيء هي بداية ونهاية الحياة بالنسبة لي ، ما أشد بؤس القلب اذا تحوّلت الأشياء الخارقة النعومة والحساسية إلى كلمات ميته تقف في الحلق مثل أشواك سمكة عتيقة".
لا يهمني ما تقولون . كنت أشتهي واحترق . كم مرة التقت عيوننا؟ كم مرة أفترقت ؟ لا اعرف . فكّرت أن أركض في الظلمة ، ان أسقط في البحيرة وأموت كأكثر رجل فرح في هذه الدنيا.
فكّرت أن أنام تحت شجرة الصنوبر او بجانب النبع . كنت أريد ان أغنّي . أن أهفر وجهي بالتراب . كنت أحس بحنين لا يوصف للبكاء!
أي شيء احتمل؟ قولوا ما تشاؤون . لم أكن أرغب في أكثر مما حصلت عليه . دفنت نفسي في عينيها وندمت وفرحت وهاجرت ، ثم رجعت . كانت عيناها دافئتين وقلبها كقطة المخمل . كان قلبها رضياً ، عاتباً ، منتعشاً . ضحكت اكثر من مرة ، وأنا ارفع الكأس لنشرب معاً. لم تشرب إلاّ قليلاً ، أمّا أنا فقد شربت أكثر مما أشرب في العادة ، ولكن كنت أحس نفسي مشعاً مهتاجاً.
.عذوب.
09-19-2006, 07:50 PM
عندها هدأت الموسيقى ، وغادرت الشقراء مع شابين وثلاث فتيات اخريات الصالة ، بدا زوجها عصبياً وأقرب إلى الصمت المتوتر ، حتى اذا نظرت في الصالة بضجر ، التفت حواليه ، وبقسوة وبشكل مفاجىء ، يدق على الطالولة ، اشارة إلى انتهاء السهرة ، وغادرا.
تمنيت لو أدوس في نفس الأماكن التي داستها بأقدامها، كدت أفعل ذلك وانا أتهياء للنهوض . لكن رادميلا وايفان ظهرا تلك اللحظة . انضما إليّ وسبّبا لي تعاسة وارتداداً. كان ايفان وحده المتعب ، أمّا هذه الشقية ، فإنها قطة لا تمل الركض ولا تتعب . أمسكت بيدي عند الساعد ، وايفان يتابع بفتور وارتخاء ، وقالت :
- لو انك لم تأت !
- رادميلا، لماذاتعودين إلى مناكدتي ؟ هل يروقك استفزازي دائماً؟
ضحكت بطفولة ، وهي تضغط على ساعدي ، كأنّها تختبرني . قالت:
- الناس يأتون إلى هنا لكي يقضوا وقتاً ممتعاً ، وأنت حملت معك من المدينة احزاناً أضافية وجئت لكي توزعها على أناس لا يروق لهم ان يحزنوا ، أو يروا بشراَ حزينين!
لم أكن حزيناً إلى المقدار الذي تشير اليه رادميلا. كنت في تلك الساعة أبتهج من الفرح والنشوة ، لكن طريقتي في التعبير عن فرحي بدت ساذجة ، حتى كادت رادميلا ان تطفئها بكلمات قليلة!دنظرت إلى ايفان بإشفاق ، بدا هرماً مرهقاً ز فكّرت بخبث بمؤمرات صغيرة يكون ايفان ضحيتها ، لكن ، وانا أفكّر سمعت من جديد موسيقى العصافير . انهم يعزفونها للمرة الثانية تلك الليلة . عندما عزفوها أول مرة بدت لي وهي تتابع الموسيقى مثل جدول صاخب يمتلىء فرحاً . الآن ـ في المرة الثانية ، أحاول أن أستعيد حركاتها البرّاقة ، رأسها وهو يتمايل ، جذعها عندما كان يتقدم الطاولة وبيدها الإثنتين تحتضن كأس النبيذ ، هكذا كانت.
صبّ لي ايفان قدحاً ، ودون أن أشعر حركت يدي ، فسقط القدح . اندلق النبيذ على ثوب رادميلا ، شهقت ، ثم ضحكت بعصبية وهي تتراجع كقطة مذعورة . لم يكن ممكناً عمل شيء البته . هزّت كتفيها دون اهتمام ، ورفعت الثوب كثيراً، بان ساقاها . كان الساقان بشفافية النبيذ . كدت أمد يدي . نظرت طويلا وأنا أحسّ الغيرة تفترس ايفان وتعذبه .
هنا يحق لأي اسقف قصير ، لأي راعي كنيسة ، حتى لو كانت قروية في مكان منعزل، أن يفتح كتابه المقدس ، ان يفتحه دون خوف ويطبق عليّ الوصايا كلها ، كنت ملوثاً وشبقاً وأردت أن أحارب ايفان . كانت الدعوة في عيون رادميلا مباحة صاخبة، وقد شعرت بلذة أقرب إلى الاشتهاء في انهدال شفتها السفلى ، بدت فرحة وهي تراني أنظر إلى ساقيها ، هكذا.
لما انتهت موسيقى العصافير ، بدأ الموسيقيون يشربون أنخاب العشاق، ثم شدوا أوتار الآلات ـ وبدأوا جولتهم بين الطاولات ليعزفوا . كانت فرصتي لأن أنسحب . قلت لإيفان ، أريد ان اعزية بخشونة:
- يجب ان يعزفوا لحن "كل ليلة ، لك يا حبيبي!"
رادميلا متوحشة ، في ثيابها رقة المرأة وشبقها ، قالت ي وهي تشد على ساعدي :
- يجب ان تقضي الليل معنا ، دعنا نسمع هذا اللحن معاً ـ وأنا كل ليلة لإيفان !
كانت نظراتها تنزلق تحت جلدي ، شعرت بدبيبها صاخباً عنيفاً ، ولم تنظر إلى إيفان إلا عندما غيّر جلسته دلالة الاحتجاج وبدا شاحباً.
لما كان الموسيقار الغجري يقترب نظرت إليه وغمزته :
ابتسم وهو ينظر إلى رادميلا . وضعت تقوداً في يده وقلت له هامساً:
- اعزف لنا لحن " أٌغيّر الأصدقاء مثلما تغيّر الأشجار أوراقها".
وقبل أن يبدأ الموسيقى ، سرقت نفسشي مثل هر وركضت .عند الباب ، لما تأكّد ايفان من اللحن ـ التفت إلى رادميلا ، وبدا لي أنّ حديثه معها قاسياً ، لكن في تلك اللحظة كنت بعيداً ، فلم أسمع شيئاً ، وبدت لي يد رادميلا ، وهي ترفعها ، أقرب إلى التهديد ، ولم تكن تحية وداع!
ذهبت إلى الشرفة . نظرت إلى نوافذ الفندق اقرأ فيها طيف ليليان . تساءلت بإصرار أخرق : في أية غرفة تنام ؟ وأجبت نفسي بتأكيد مسلوب : الرابعة ثم تراجعت وأنا أقول : الثانية عشرة . لا إنّها السابعة ، لا الأخيرة ـ في الطابق الثالث ، نعم الأخيرة بكل تأكيد!
حاولت أن أتصورها : ليليان تنظر في الظلمة . ليليان نائمة . ليليان تنام على وجهها في السرير الأيمن ، لا انهما ينامان معاً ، لا ، لا يمكن أن تتركه بقترب منها . ولم أستطع أن أفكّر .
.عذوب.
09-19-2006, 07:55 PM
الظلام يضغط على الحواس ، فيجعل كل شيء غامضاً، الظلام أب كبير يعطف على الحزانى ، يمد راحته إلى الرؤوس يمسح عنها تعبها ، حزنها
ويحفظ الأسرار ، الأسرار الصغيرة التي لا تعني أكثر من اثنين.
لم أجسر على ان أفكّر بالعشاق الصغار ونهاياتهم . لم أكن صغيراً ، لكن لم أستطع ان أفهم هذه القسوة الموحشة التي تتمدّد على الأرض ، مثل ظل باهت تجعل كل شيء خاطئاً.
ليليان تفتح عينيها في الظلمة . هل تفكّر بي؟ هل مرّ طيفي أمامها؟ ربما فكّرت ان نكون معاً وتصورته يراقص الشقراء ، كأنّه يريد ان يضاجعها ، وإلاّ لماذا بدا حزيناً مغدوراً هكذا عندما رحلت؟ وأنا ، ماذا أريد من ليليان؟ هل أفكّر بليليان ورادميلا وباولا معاً؟ هل ليليان مثل باقي النساء؟.
قلت لكم أشد ما يؤلمني تلك الرحلة المظلمة التي أتيه فيها وأنا أفكّر . أريد ان أعرف كيف تولد الفكرة . كيف تكبر حتى لتصبح ولعاً مهووساً لا يتوقف ولا ينتهي . ليليان وحدها التي أريد . ولكن أي شيء أريد منها؟ تكفيني يدها. لو وضعت يدها على جبيني فسوف أكون أكثر فرحاً من البشرية كلها ساعة انتصارها . سوف أزغرد مثل حيوان كان محبوساً لآلاف السنين ، ثم استطاع أن يحطّم أسوار سجنه ويفلت ، لو انحنت فوقي وتركت لشعرها ان يسيل على وجهي لبكيت واغرقت الدنيا بدموع الغبطة ..لو مسّت جبهتها صدري لتمنيت أن أموت في تلك اللحظة ، ولم أكن لأريد شيئاً آخر.
لو قلت لكم ان حياة البشر تشبه خطوط السكك الحديدية ، فهل تفهمون ما عنيته؟ منذ البداية نفتقد اللغة المشتركة، ليس بيننا شيء مشترك ، ليس لديكم تجاهي حتى الرغبة في ان تفهموا ! لا يهمني ، بدأت الرحلة وحيداً ، وسأنتهي وحيداً . اربطة العنق ، المحافظ الجلدية السوداء ، الابتسامات المرسومة باتقان ، ثم الروائح العطرية والمجاملة ، هل تفتقدون شيئاً أيّها السادة ؟ وانا ، لا أريد منكم أي شيء ، يكفيني هذا الفرح الزاهي الذي عربد في دمائي تلك الليلة ، وأنا أرى عينيها مثل وردتين ، وأرى ابتسامتها بحراً يعانق أطراف الأرض كلها .
هل ندمت بعد تلك الليلة ؟ هل أردت شيئاً أكثر منها؟
كنت وحيداً على شاطىء البحيرة . الموسيقى تصل إليّ خافته . الأشجار غابت في الظلمة واشتبكت في هذا الوجد الذي تحمله ريح خفيفة لتحرّك في الدم شهوة الاتحاد مع الطبيعة والغناء ، ثم آخر ضوء أراه ينطفىء في واجهة الفندق أمامي،وانهض!
تعمدت ان أقترب من الشرفة ، ردّدت اسم ليليان مرات كثيرة ، تحدّثت معها كما لو انها تسير معي ، ونظرت إلى الصالة دون أن أدخل ، لأرى ايفان ورادميلا .
في الصباح وانا انهض رأيت الباص يتحرك ، سمعت صوته أوّل الأمر، فلما نظرت من النافذة ، كان ينعطف حول الفندق ليدخل الشارع الرئيسي.
طوال اليوم لم أرها . أكلت مثل ثور ، شربت ، وفي المساء لم تأت . لم لم يظهر أحد . وبدا أنّ البرنامج الذي رتّبه الفندق لبعض النزلاء في جولة لزيارة بعض الأماكن قد سرقها
شعرت بالندم ، لكن شعوراً هادئاً أقرب إلى الاستسلام . كنت بحاجة إلى الراحة . ان بُعدها في هذا اليوم يخلق في النفس شجاعة حيوانية تدفعني لأن أضرب حجارة الطريق ، لأن أتسلق شجرة الصنوبر ، لأن أحاول ببلاهة صبيانية تنفيذ وصية ميرا وهي تحثني على الرياضه ، خاصة رياضة القفز العريض !
في اليوم التالي سافرت مرة أخرى ، لا أعرف متى ، لكن عامل الفندق أجابني بصلابة محايدة وانا أسأل عن هذه الرحلة ، قال:
- كان موعدها ياسيدي في الخامسة صباحاً!
حزنت ، أردت ان أفعل شيئاً ، لكن كل شيء أصبح ماضياً
(وانا أحب الماضي ، ذكرت ذلك لكم من قبل).
قلت لرادميلا وانا أتطلع إلى إيفان لآخذ موافقتهما معاً:
- ماذا لو ذهبنا في جولة على الأقدام مادامت الجولة الارستقراطية قد بدأت وأصبحنا هنا مجموعة صغيرة؟
قفزت رادميلا من الفرح . كانت موافقتها سريعة مهتاجة . أمّا ايفان بعقله المملوء بالغيرة والخوف ، فقد بان عليه التحفظ . فكّر قبل أن يجيب ، وازاء هيجان رادميلا ، حاول ان يتذرع بحجة عدم وجود الأكل . قالت رادميلا وهي تقبله كوسيلة أخيرة لتضغط عليه:
- سوف احضر من المطعم غداءنا ، رأيت أمس عدداً من النزلاء يأخذون غداءهم الى البحيرة.
هزّ ايفان رأسه موافقاً . بعد ساعة كنا قد تجاوزنا قمة التل . أصّرت رادميلا ان تجلس حيث تعودت دائماً ، المقعد يطل على شرفة الفندق والبحيرة بعيدة ، سابحة في خضرة داكنة ، كنت أريد ان أجدّد نفسي ، ان أبدو انساناً لا علاقة له بالحزن!
+محمد+
04-18-2007, 05:55 PM
الغالية عذوب
أعلم أنك جلست على الحاسب كثيراً حتى تكتبي وتنقلي لنا بعض من الأجزاء الجميلة لهذه الرواية الملعونة المجنونة00
فشكراً لك بعدد كل حرف كتبتيه ونقلتيه لنا00
http://www.swahl.com/up/m78/swahlcom_6ee2.jpg (http://www.swahl.com/up)
.عذوب.
04-18-2007, 10:51 PM
الغالية عذوب
أعلم أنك جلست على الحاسب كثيراً حتى تكتبي وتنقلي لنا بعض من الأجزاء الجميلة لهذه الرواية الملعونة المجنونة00
فشكراً لك بعدد كل حرف كتبتيه ونقلتيه لنا00
http://www.swahl.com/up/m78/swahlcom_6ee2.jpg (http://www.swahl.com/up)
الله يسعد أيامك كلها ياطيب القلب
تدري وبصراحه مافيه أي تشجيع الواحد يكمل ولكن تواجدك هنا راح يخليني اكملها بإذن الله وأشكرك :25: :25:
.عذوب.
04-20-2007, 01:29 AM
متابعة يا عذوب
ويسعدني متابعتك ياغاااليه:25: :25:
.عذوب.
04-20-2007, 01:31 AM
لطيب القلب وعبق والجميع
هنا القصه كامله
http://up.9q9q.net/up/index.php?f=usriLHiKg
قرائة ممتعه للجميع
:25: :25:
الواثق
04-20-2007, 04:47 AM
رواية من أعظم ما كتب عبد الرحمن المنيف بعد خماسيته مدن الملح حقيقةً قرأتها أكثر من مرة و ما زلت حتى الآن أتوق لها مرات و مرات .
البريك
04-20-2007, 10:22 AM
السلام عليكم.
شكراً عذوب..بدأت القراءة من متصفحك.
.وسأكملها من الرابط المرفق.ستحتاج مني
وقت ليس بالقصير لإنهائها..ولكنني متشوق
لذلك وجاد...تحية إجلال لك أختي.
تقديري واحترامي.:25:
المتسامح.
+محمد+
04-20-2007, 12:13 PM
سلمتي
ياعذوب
لتنزيلك
للرابط
وسوف اقرأها كلها من جديد:p :25: :25: :25:
عذوب مع تقديري لكل الجهد الذي بذلتيه ومع احترامي لكل الآراء التي اشادت في الرواية إلا أني لم أجد في قصة حب مجوسية ما يستحق كل هذه الضجة الإعلامية عنها في السابق وحتى الآن !!!
عموماً هي مجرد وجهة نظر :(
كل التحايا يا عذوب وشكراً لهذا الجهد الكبير :25: :25:
.عذوب.
04-20-2007, 09:45 PM
رواية من أعظم ما كتب عبد الرحمن المنيف بعد خماسيته مدن الملح حقيقةً قرأتها أكثر من مرة و ما زلت حتى الآن أتوق لها مرات و مرات .
أهلااا فيك الواثق بصراحه إستمتعت بقرائتها كثير وأتمنى أن أقرا له أكثر...شكرا لتواجدك وتعليقك
:25: :25:
.عذوب.
04-20-2007, 09:47 PM
السلام عليكم.
شكراً عذوب..بدأت القراءة من متصفحك.
.وسأكملها من الرابط المرفق.ستحتاج مني
وقت ليس بالقصير لإنهائها..ولكنني متشوق
لذلك وجاد...تحية إجلال لك أختي.
تقديري واحترامي.:25:
المتسامح.
أهلااا بك المتسامح وعليك السلام ورحمة الله وبركاته
يسعدني تواجدك هنا وأتمنى لك قراءة ممتعه .
:25: :25:
.عذوب.
04-20-2007, 09:52 PM
سلمتي
ياعذوب
لتنزيلك
للرابط
وسوف اقرأها كلها من جديد:p :25: :25: :25:
هلااا والله بطيب القلب
والله يسلمك ..وأتمنى لك
قراءة ممتعه.
:25: :25:
.عذوب.
04-20-2007, 10:00 PM
عذوب مع تقديري لكل الجهد الذي بذلتيه ومع احترامي لكل الآراء التي اشادت في الرواية إلا أني لم أجد في قصة حب مجوسية ما يستحق كل هذه الضجة الإعلامية عنها في السابق وحتى الآن !!!
عموماً هي مجرد وجهة نظر :(
كل التحايا يا عذوب وشكراً لهذا الجهد الكبير :25: :25:
أهلااا وسهلا بوضاح معسلامه
وضاح بصفه عامه القراءات تختلف من شخص لآخر والإعلام قد يبالغ أحيانا كثيره ومن الصعب ان نعمم وجهة نظرنا على كتاب معين ونفرضه ....أحيانا أقرأ الكثير عن بعض الكتب ولكن حين أقرا فيها أشعر انهم بالغوا بحكمهم عليها وأتناسى ان القراءه هي ذوق يختلف من شخص لآخر.
وضاح مدري ليه لما أشوف إسمك أتذكر المسلسلات البدويه الأردنيه:shy:
كل الشكر لمرورك.....:25: :25:
أهلااا وسهلا بوضاح معسلامه
وضاح بصفه عامه القراءات تختلف من شخص لآخر والإعلام قد يبالغ أحيانا كثيره ومن الصعب ان نعمم وجهة نظرنا على كتاب معين ونفرضه ....أحيانا أقرأ الكثير عن بعض الكتب ولكن حين أقرا فيها أشعر انهم بالغوا بحكمهم عليها وأتناسى ان القراءه هي ذوق يختلف من شخص لآخر.
وضاح مدري ليه لما أشوف إسمك أتذكر المسلسلات البدويه الأردنيه:shy:
كل الشكر لمرورك.....:25: :25:
أبداً يا عذوب أنا لا أعمم وجهة نظري فهي تبقى وجهة نظر خاصة خصوصاً وأني لا أعرف في مجال النقد إلا ما تعرفه جدتي غفر الله لها ولكن سمعت وقرأت الكثير عن هذه الرواية وحاولت جاهداً الحصول عليها وبعد أن وقعت تحت يدي تفاجأت بأنها لا تستحق كل تلك الضجة التي اثيرت حولها ما زلت أقول أنها وجهة نظر خاصة
لا عاد اسمك اللي يذكرني بالمسلسلات المكسيكية أقول أها بس لا أغيره من وضاح لغليص :(
أنا اللي أشكرك يا قمر على اتاحة الفرصة :25: :25:
.عذوب.
04-20-2007, 11:24 PM
أبداً يا عذوب أنا لا أعمم وجهة نظري فهي تبقى وجهة نظر خاصة خصوصاً وأني لا أعرف في مجال النقد إلا ما تعرفه جدتي غفر الله لها ولكن سمعت وقرأت الكثير عن هذه الرواية وحاولت جاهداً الحصول عليها وبعد أن وقعت تحت يدي تفاجأت بأنها لا تستحق كل تلك الضجة التي اثيرت حولها ما زلت أقول أنها وجهة نظر خاصة
لا عاد اسمك اللي يذكرني بالمسلسلات المكسيكية أقول أها بس لا أغيره من وضاح لغليص :(
أنا اللي أشكرك يا قمر على اتاحة الفرصة :25: :25:
إسمع ياغليص انـا مثلك مالي في مجال النقد انـا قارئه ....أنـا إذا قرأت كثير عن كتاب او روايه أبحث عنه أقرأ فيه أجزاء مختلفه أحيانا لما أروح للمكتبه قبل أخذ الكتاب اقرا فيه إذا إعجبتني الأجزاء اللي قراتها حتى لو بسيطه توكلت على الله وأخذته ....:25: :25:
بالمناسبة عذوب ـ وهي ايضاً صدفة جميلة ـ اليوم وأنا اتصفح جريدة الجزيرة شدني مقال عبدالله بخيت وكأنه كان معنا البارحة وكأنه يتفق معي هو والنيويورك تايمز اليك ما قاله /
في الثمانينيات من القرن الماضي أقيمت احتفالات لا حصر لها بأعمال عبدالرحمن منيف. مع أن أي قارئ عادي يستطيع أن يلاحظ التشابه التاريخي بين أعمال هذا الكاتب وبين جزء معين من تاريخ المنطقة. ومن السهل أيضاً أن يلاحظ أن هذه الأعمال في مجملها ليست سوى تشويه هجائي لجزء من التاريخ السياسي العربي. لكن الفترة لم تكن مناسبة للتشويش على الحفلة حتى انتقلت أعمال منيف من الوسط الثقافي العربي الذي يربط بين العمل الروائي والمذكرات الشخصية والتأريخ الاجتماعي والسياسي انتقلت بترجمتها إلى اللغة الإنجليزية إلى محيط ثقافي آخر. فقرأت بعيون مدربة على قراءة الرواية وفي الوقت نفسه لا علاقة لها بالتصارع السياسي في المنطقة العربية. أكدت مراجعة الترجمة التي نشرت في النيويورك تايمز وجهة نظري في أعمال منيف ولكن الشيء الأهم أنها زودتني بمصطلح كنت في حاجة إليه عند قراءة الأعمال الروائية. استخدم المراجع كلمة السخرية قائلاً: إن أعمال منيف تفتقر إلى السخرية.
عشان تعرفين بس اني منيب سهل وإن هناك من يتفق معي بالرأي من ذوي الخبرة والمعرفة بأدوات النقد الأدبي حول هذه الرواية المخيسة :n2s2:
.عذوب.
04-21-2007, 10:40 PM
بالمناسبة عذوب ـ وهي ايضاً صدفة جميلة ـ اليوم وأنا اتصفح جريدة الجزيرة شدني مقال عبدالله بخيت وكأنه كان معنا البارحة وكأنه يتفق معي هو والنيويورك تايمز اليك ما قاله /
عشان تعرفين بس اني منيب سهل وإن هناك من يتفق معي بالرأي من ذوي الخبرة والمعرفة بأدوات النقد الأدبي حول هذه الرواية المخيسة :n2s2:
شكله كان هنا ويقرأ معنا امممممممممم وضاح أولا وأخيرا هي أذواق وفكر يختلف من شخص لآخر..بس تدري وضاح شكل هالروايه بالحيييل ماعجبتك ...أعتقد لانك قرأت عنها كثيييييييييير وكنت متحمس بالحيييل ولما قرأتها ماطلعت نفس توقعاتك علشان كذا تقول عنها هالكلام يمكن لو قرأتها من غير هالضجه كان إختلف الوضع:m87:
:25: :25:
مجنون
08-14-2007, 01:57 AM
ومعبودتي .
كانت هناك : بنطال أسود ضيق وكنزه رمادية ، ولا أدري لماذا وضعت شالاً على كتفيها!
ألقت معبودتي مجلة مصورة على الطاولة ، وجالت نظراتها الصالة ، تفتش .. هل كانت تفتش عنّي ؟ أتوهم ؟ أحلم ؟ أي شيء آخر يمكن أن تقولوا؟
كان المطر يتساقط غزيرا مشبعاً. وبين يدي كتاب لا أستطيع أن أطويه ،ولا أستطيع أن أقرأ فيه سطراً واحداً. رادميلا؟كانت هناك تجلس متكورة إلى جانب أيفان ، وقد تقاربا لدرجة الالتصاق . كان يتهامسان كعاشقين. لم ينظرا نحوي ، وحتى التحية ألقيتها عليهما أثناء الإفطار سبّبت لهما إزعاجا، أيفان بشكل خاص .
فكرّت أن ألعب الشطرنج لأغتال الضجر ، لكن رقع اللعب الثلاث كانت محجوزة ، وكان الفتى الواسع الفم يصرع الرجال ، وهو يدور حولهم كقط . أما عندما جلست قريباً ارقب اللاعبين ، فقد استولى علي الخوف. جلست مستسلماً ، وهزمت بعد المرات التي امتلأت القاعة بضحكة ذلك الفتى الواسع الفم ، والذي يدور كقط ، عندما ينتهي من أولئك المسنين الواثقين.
وفجأة وأنا أستدير ، بعد لعبة ماكرة ، حاول الفتى الواسع الفم في نهايتها أن يتظاهر بالهزيمة ، لكنه ، في النقلة الأخيرة ، أنتصر ، وجلجلت ضحكته الواثقة ، وأنا أستدير لأغير جلستي ، رأيتها . كانت قريبة لدرجة مذهلة . شعرت أني أختنق صرخت في أعماقي وأنا أتلوى من الألم : " يا أم الأرض الخصبة ، يالهباً يشعل الحجر ، اذهبي ، لا أحتمل أن أراك قريبة هكذا لا أستحق". وبخوف حزين سحبت نفسي من الرعب.
تنفست بجموح ، وقرّرت لأن أتطلع إلى عينيها. شعرت بعناق مجنون يزدحم في دمي ، يدفعه ويوقفه ثم بعد لحظة شعرت بذلك الدفء الناعم يغطيني . أغمضت عيني . شممت رائحتها تملأني . كانت كخيمة خضراء فوقي ، ولما بدأت أتذكّر متى جاءت ، أحسست أن المدى حولي ، في لحظة معينة ، بدأ يزداد اتساعاً وبياضاً، حتى غطّى الأرض كلها ، ثم أحسست بشيء أقرب إلى الدفء يتساقط ليصبح حاداً ومسيطراً كالألم وتأكدت أنها جاءت في تلك اللحظة.
لما حركت كرسي قليلاً لأعتذر، لأفسح لها، مسّت قدمها قدمي. سحبت قدمي. نظرت إلي وعبرت وجهها ابتسامة صغيرة شاحبة، ثم استدارت بعبقرية ومشت.
الآن أراها، أراها قريبة كجفن العين. كانت هالة من الضياء ، من الفرح . ما أشد بؤس الكلمات . ليتني أصاب بالخرس الكلي وأختنق ، وليت أن رادميلا ظلّت وفيّة لي بضعة أيام أخرى . لو أن الحزن لم يهزمني ذلك الصباح ، لظّلت رادميلا معي. كنت الآن بنظركم ظافراً ، لكن ، وايفان ثعلب ، لا يكّل ولا يتعب، أذ ما كاد يراها تخرج من حزني ، حتى حاصرها، واستسلمت له بسرعة لتقتلني ، ثم هربا معاً. عندما هربت رادميلا رأيت بعيني هوة ساحقة تمتصني ، لم أستطع ان أقاوم، ثم أصابني الهلع.
شعورٍ مجنون ... ولا ألومه .. سـ أُكمِلُ القصة .. تسلم ايدينك عذوب
ضوء العمر
11-22-2007, 07:13 PM
مشكوووووووووره على القصه
.عذوب.
11-28-2007, 12:02 AM
مشكوووووووووره على القصه
العفوو
وهلاا فيك ضوء العمر
:25: :25:
مجرد قلم
06-21-2008, 08:46 PM
لا أدري تعليق ربما جاء متأخرا قليلا من عضو هذه أيامه الولى بين ربوع هذا الملتقى
عبدالرحمن منيف ،،
كاتب بارع مجيد
أسلوبه يخطف ذهن القارئ ... بل يسلبه حواسه كلها
ولكن
رغم ان كل كتاباته تصف واقعا واقعا مرا نعيشه
ولا شيء غير الواقع
إلا أنه يبالغ قليلا(بل كثيرا أحيانا كما في الرواية السابقة ) في الوصف والتصويرإلى حد تصبح فيه الكلمات لا تصلح للقراءة لأنها عند ذاك الحد تث للقراءة وتثير الفتن والغرائز
وتبث الكثير من الأفكار ( التي لا أقول أنها خاطئة ) ولكنها ليست صائبة في عقل القارئ
لم أقرأ له كثيرا على الرغم من براعته
جميل أن نقرأ لعمالقة الأدب أمثاله
ولكن يجدر بنا أن ننتقي ما يصلح و عاداتنا وأخلاقنا وديننا الحنيف
شكرا جزيلا على هذا الطرح المفيد
و أرجو أن يؤخذ تعليقي بروح طيبة
دون التفكير في أعماق الجمل وما خلف السطور
تحياتي
vBulletin v3.5.3, Copyright ©2000-2008, Jelsoft Enterprises Ltd.